أعماله بين يدي الله حتى التي لا تمثل انحرافا عن أوامره ونواهيه ، بل تمثل نوعا من الخطأ الأخلاقي المبرّر بطريقة ما ، ليحصل على لمسة الرحمة الإلهية العاقبة بالحنان والعطف ، فيبلغ ـ من خلال عصمته له ـ الكمال في سلوكه ، والتوازن في أخلاقه ، مما يجعل من المغفرة لطفا في توازن الشخصية لا عفوا عن ذنب. وهكذا كان اللطف الإلهي بموسى عليهالسلام في ما يعلمه الله من حاله في ظرفه الواقعي مما يحقق له الكثير من العذر في حساب المسؤولية ، (فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الذي تتحرك مغفرته من عمق رحمته لتفيض على الإنسان الراجع إليه بكل خير وإحسان.
* * *
ربّ لن أكون ظهيرا للمجرمين
(قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) وكان موسى في الأجواء الروحية التي يستلهم فيها روحانية الإيمان في ابتهاله لله ، وفي انفتاحه على نعمه وألطافه ، وفي إحساسه بالحاجة إلى عفوه ورحمته ، وشعوره بأن الله قريب منه ومن حياته في آلامه وآماله .. ويتعاظم في نفسه الحب لله ، في ما يفيض عليه من النعم الوافرة لديه.
وهكذا أراد أن يعبّر عن شكره لله على ذلك كله بطريقة عملية ، فإذا كان الله قد أنعم عليه بالقوة ، فلن يجعل القوّة في نصرة المجرمين الذين أجرموا في حق الله وحق عباده بالكفر والضلال والطغيان ، وإذا كان قد أنعم عليه بالعلم فليجعله في خدمة المستضعفين لا في خدمة المستكبرين. فتوجه إلى الله بأنه يعاهده بأن لا يكون ظهيرا للمجرمين بسبب ما أنعم الله عليه من كل نعمه الظاهرة والباطنة ، وبذلك كان الإيحاء الروحي للنعمة أنها تمثل مسئولية العبد
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٧ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3282_tafsir-men-wahi-alquran-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
