في الإسلام ، فهي شخصية الإنسان الواعي المفكّر الذي يحرّك طاقته الفكرية في سبيل الوصول إلى قناعاته الإيمانيّة من وحي التفكير والمعاناة والتجربة والملاحظة ، فلا يعتقد بشيء إلا على أساس ذلك. وعند ما نلتقي بشخصية الإنسان المفّكر في المؤمن في خط العقيدة ، فإنّ من الطبيعي أن نلتقي بها في خط الحياة ، فلا ينطلق مع أحداثها إلّا في خطّ الفكر والتجربة ، لأن ملامح الشخصية لا تتعدد في مضمون الأشياء. فإذا كان الإنسان عاطفيا في جانب ، فإنه يتحرك عاطفيا في بقيّة الجوانب ؛ وهكذا تكون القضية في خط الفكر في الحياة. ولكن شخصية المفكر لا تلغي شخصية الإنسان الروحاني الذي يعيش الروحيّة العميقة تجاه الله ، من خلال ما يعيش من مشاعر روحيّة ، لأن الفكر لا يتحرّك من مواقع الجفاف النفسي ، بل ينطلق من أعماق الينابيع المتدفقة في الحياة في ما تشتمل عليه من أفكار ومشاعر ... ولهذا نجد الانطلاقة الروحيّة في هذه الآيات في حركة الانطلاقة الفكريّة في هذه المناجاة الخاشعة التي تلتقي بالله في مغفرته ورضوانه ورحمته لعباده المؤمنين ، ليبقى الإنسان منسجما مع إيمانه في روحيّة اللقاء بالله والسعي لرضاه ، باعتباره هدف الحياة الكبير ، كما يعيش الانسجام معه في فكره العميق الذي يطرد من حوله الشكوك والشبهات ويركزّ الخطة الواحدة لحياته من خلاله.
٢ ـ وقد نستوحي من هذه الآيات ، أن قضية الجنة تلتقي ـ في حركة الإنسان المؤمن في الحياة ـ بالجانب الجهادي الذي يعيش فيه المعاناة نتيجة ما يتعرض له من اضطهاد وما يتحمله من أذى ، وما يضطر إليه من الوقوع تحت ضغط القوى الغاشمة التي تخرجه من داره وموطنه وتدفعه إلى الهجرة قسرا من خلال الضغوط القاسية التي تمارسها ضدّه ، وذلك كله من أجل الله ، وابتغاء للحصول على رضوانه.
ومن خلال ذلك ، ندعو أولئك الذين يعيشون الحياة في استرخاء ، ويعتبرون الجنة ملتقّى للعابدين الذين يغرقون كل همومهم وآلامهم وتطلعاتهم في العبادة ، وينعزلون عن الحياة في عمليّة هروب دائمة من التعرّض للخطر في
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
