دعاء المؤمنين وابتهالهم إلى الله
(رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ) ومن هو هذا الإنسان الذي تدخله النار؟ ما هي صفته؟ إنه الإنسان الذي يظلم نفسه بالمعصية والتمرد على الله ، ويظلم الناس بالغلبة والقهر ، فيكون في عداد الظالمين الذين لا يملكون أيّة قوّة أمام قوة الله (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ). ويقف هؤلاء المؤمنون أمام الله في وقفة اعتراف وابتهال ، ليشهدوه على إيمانهم الذي انطلق من وعيهم لحقيقته في ما انطلقوا فيه من فكر الحقيقة ، فاستجابوا لنداء الدعوة إليه من قبل الرسل : (رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) فلم يتطرق إلينا الشك في الله لحظة واحدة ، لأننا انطلقنا في عقولنا من منطق الوعي ، فلم نجمّد حركة الفكر في قضايا العقيدة ، بل أطلقنا له العنان ليفتّش ويفكر ويسأل ويحاور ويناقش الآخرين كل الآخرين ، فوصلنا إلى القناعة من أقرب طريق.
ولكن الإيمان فكرة وعمل ، ولا بد للعمل من إرادة وعزم. وقد تضعف الإرادة أمام اندفاع الشهوة ، وقد يتلاشى العزم أمام قوة التحدي ، فقد تزلّ بنا القدم في مزالق الطريق ، وقد تنحرف بنا الخطى عن الصراط المستقيم ، وقد نلتقي بالشيطان فيزيّن لنا المعصية ، ويشوّه لنا صورة الطاعة ، ويصور لنا الباطل في صورة الحق ، ثم نتراجع فنعود إلى إيماننا لنحتمي به ، ونرجع إلى ربّنا لنستغفره ونخضع له : (رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا) فإنك تغفر الذنوب لمن تشاء وتعفو عن السيئات لمن تشاء ، (وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) الذين يعيشون البرّ في الطاعة عند ما يطيعون ، وفي التوبة عند ما يخطئون ويتراجعون عن خطئهم (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) من المغفرة عند التوبة ، والجنّة للمخلصين المطيعين لك في عملهم وفي توبتهم ، (وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ) بالوقوف موقف الذل أمام أعين الناس ، لأنك لا تخزي التائبين المنيبين إليك ، وذلك هو وعدك الحق ، وأنت أصدق الواعدين (إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ).
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
