المنطق ، لأنه لم ينطلق من قناعة ليقابل بقناعة أخرى ، ولم يتحرك من حجّة ليواجه بحجّة أخرى ، بل هو ناشئ عن عقدة كبرياء وطغيان. والله لا يسمح للمتجبرين والطغاة أن يأخذوا حريتهم بالحوار ، لأنهم لا يفهمون كلمة الحق ولا يريدون أن يفهموها ، فقد اختاروا الباطل على أساس موقف لا على أساس علم وفكر ؛ فلا بد من مخاطبتهم باللغة التي يفهمونها وهي القوة التي كانوا يخاطبون بها الناس ، وذلك من أجل تحطيم كبريائهم وإضعاف زهو القوّة في نفوسهم.
(وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍ) وهذا دليل على أنهم لا يعيشون مسئولية الكلمة التي يسمعونها ليفكروا بها ويعملوا على أساسها ، فقد واجههم هؤلاء الأنبياء بالحقيقة ، وبلّغوهم كل ما يتعلق بها ويدعو إليها من آيات الله ، وفتحوا أمامهم أبواب الحوار ، ولكنهم لم يستجيبوا لذلك كله ، فلم يحاولوا سماع الكلمات الإلهية فضلا عن مناقشتها ، بل واجهوهم بالقتل ، كما هو أسلوب الطغاة الذين يملكون المال والقوّة والسلطة ، فينطلقون منها لإسكات كل أصوات المعارضة بالقوّة ، ولا يسمحون لها بالدخول في حوار جدّي معهم ومع بقيّة فئات الأمّة من أجل الوصول إلى القناعات من خلال الحوار. وهكذا يلتقي الأسلوب القديم لطغاة المال والسلطة ، بالأسلوب الجديد لأمثالهم ، في مواجهة الرسالات بالقوّة ، سواء كان الذين يحملونها أنبياء أو كانوا من حملة رسالتهم ، لأن القضية ليست موجّهة إلى الشخص لتكون له خصوصيته الذاتية ، بل هي موجّهة إلى الفكرة والرسالة.
وهكذا يجب أن نقرأ هذه الآية ، فهي ليست حديثا من أحاديث الماضي ، بل هي حديث من أحاديث الحياة التي ينطلق فيها الماضي ليلتقي بالحاضر والمستقبل في كل التحديات التي يواجه فيها الإيمان الكفر ، فإن العقلية التي عاشت في الماضي هي العقليّة التي تعيش الآن ، وبذلك يجب أن يكون الأسلوب هو الأسلوب والردّ هو الردّ.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
