وواقعيتها في ما يعيشه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مع أصحابه من الرحمة في رقّة القلب ولين الكلمة ، وفي ما يريد الله له أن يعيشه معهم من العفو عنهم والاستغفار لهم إذا أخطئوا ، ومن استشارتهم في الأمر كأسلوب من أساليب تأكيد اهتمامه بهم وتقديره لهم ، وإعدادهم من خلال ذلك للمستقبل ليعتادوا على التفكير في الأمور ، ولم تتحدث الآية الكريمة عمّا تفرضه الاستشارة من مسئوليات على المستشير إذا لم يقتنع بالرأي المشار به ، كما هو المفروض في ما تقتضيه فكرة الشورى في اعتبارها قاعدة لشرعية الحكم في الدولة الإسلامية من حيث الإلزام للأمة بما تفرضه من قرارات وما تستتبعه من التزامات ... بل ربما نستوحي من الفقرة التالية (فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) أن الاستشارة لا تفرض شيئا ، بل القضية هي إرادة الإنسان وعزمه المنطلق من قناعته بعد الاستشارة سواء كانت منسجمة معها أو غير منسجمة. ويؤكد هذا المعنى ، أو يوحي به ، بعض الأحاديث الواردة في هذا المجال ، فقد جاء في بعضها : لما نزلت (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أما إنّ الله ورسوله لغنيّان عنها ، ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمّتي ، فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيّا.
وجاء عن علي بن مهزيار قال : كتب إليّ أبو جعفر ـ الإمام محمد الباقر عليهالسلام ـ أن «سل فلانا أن يشير عليّ ويتخيّر لنفسه ، فهو يعلم ما يجوز في بلده ، وكيف يعامل السلاطين ؛ فإن المشورة مباركة ، قال الله تعالى لنبيه في محكم كتابه : (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) ، فإن كان ما يقول ممّا يجوز كنت أصوّب رأيه ، وإن كان غير ذلك رجوت أن أضعه على الطريق الواضح إن شاء الله» (١). وجاء عن الإمام علي بن موسى الرضا عليهالسلام لبعض أصحابه ، «أن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد» (٢).
__________________
(١) البحار ، م : ٢٦ ، ج : ٧٢ ، باب : ٤٨ ص : ٣٣٠ ، رواية : ٣٤.
(٢) (م. ن) ، م : ٢٦ ، ج : ٧٢ ، باب : ٨٤ ص : ٣٢٨ ، رواية : ٢٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
