المؤمنين لإيمانهم وجهادهم في سبيله ، ويعلم نقاط الضعف الكامنة في نفوسهم والطارئة عليهم ، كما يعلم أنهم في ساعة الضعف لا يبتعدون عنه ، ولكنهم يغفلون عن ذكره بفعل الضغوط الهائلة المسيطرة عليهم ، ولذلك لم يعاجلهم بالعقوبة ، ولم يهملهم أو يكلهم إلى أنفسهم ، بل تعهدهم بفضله بما يثيره في نفوسهم من الرغبة في العودة إليه والتوبة والاندفاع ـ من جديد ـ نحو جولة جديدة من الجهاد في موقع جديد ، لأن الهزيمة في موقع معين لا تلغي الإيمان ولا تسقط الإرادة ولا تبتعد بالمؤمن عن الله ، لأن الإيمان لا يمثل حالة طارئة ، فينطلق هذا الفضل الإلهي الذي يغمر به الله عباده المؤمنين في الحب الإلهي ، لهم لأنهم بادلوه حبا في حركة الإيمان والطاعة ، فبادلهم حبا في إرادة العفو والمغفرة.
* * *
من وحي الآية
وهكذا نستوحي من هذه الآية ، أن الله ـ سبحانه ـ قد يطلق الوعد لعباده بالنصر في مواقف المعركة ، كما يطلق الوعد لهم في أشياء أخرى ، كاستجابة الدعاء عند الدعاء ، وكالمغفرة عند التوبة ... ولكن لذلك شروطا روحيّة وعملية لا بدّ للإنسان من مراعاتها ودراستها وتنفيذها إذا أراد لهذه الوعود أن تتحقق ، لأنّ الله سبحانه يريد لعباده أن يواجهوا الحياة على طريق سننه في الكون ليأخذوا بأسبابها ، فإنه لم يخضع الأمور للمعجزة الخارقة للعادة إلّا في حالات التحدي الكبير ، فلا يستوحش الإنسان إذا دعا ولم يستجب له ، أو تاب ولم يغفر له ، أو انطلق في المعركة فلم يحقق لنفسه النصر ... ولا يعتقد أو يتساءل كيف لم يتحقق وعد الله؟! بل ينبغي له أن يبحث هل أنه راعى في ذلك الشروط الإلهية التي ربط الله بها تحقيق وعده أم لا؟
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3265_tafsir-men-wahi-alquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
