بعد هذه وتلك يؤمر الخليل بذبح إسماعيل وليس ذبحا واحدا ، إلّا وحيدا يجمع في جنباته ذبحات عدة أعلاها محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعترته ، وقد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنا ابن الذبيحين!
إذا فتسليمهما لهكذا ذبح دونما سؤال علّة ولا خطرة ببال ، إنه القمة العليا من التسليم و (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)!
لو أمر إبراهيم أن ينتحر كان عليه أسهل من نحر إسماعيل ، فقد أمر بذبح من يفوقه في الكيان بحب الهيمان ، وأنه جد الرسول محمد وعترته ، وقد بلغ معه السعي ووصل إلى ذلك السعي بمساع الهجرة الهاجرة بواد غير ذي زرع : (رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ...) (١٤ : ٣٧) ف ـ (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)!وبالروعة الإيمان والطاعة والتسليم!
(قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ...).
«إني أرى» تلمح لتكرار الرؤيا وتأكدها «في المنام» ورؤيا الأنبياء وحي (١) دونما ريب ، فلما ذا يتروّى في تحقيقها بعد الرؤيا الأولى ، ويستنظر ابنه فيها ، والوحي منذ نزوله ماض لوقته المقرر ، صارم للموحى إليه؟
إنه ما راى في الرؤيا صيغة الأمر بالذبح حتى يمضي فيه دون ترو ، وإنما (أَنِّي أَذْبَحُكَ) دون «أمرت بذبحك» ورؤية الفعل لا تدل على الأمر وإنما تلمح لوقوعه ، وفي الثانية تقوى هذه اللمحة ، وفي الثالثة
__________________
(١) الدر المنثور ٥ : ٢٨١ اخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : ...
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٥ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3050_alfurqan-fi-tafsir-alquran-25%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
