توصل لحد الأمر (١) فان أفعال الأنبياء خيرات تفعل بالوحي (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ) سواء أكانت في المنام أو اليقظة ، ولأن ما في المنام صورة عن الواقع في اليقظة ، فليحقق إذا في اليقظة سماحا أو رجحانا أم فرضا ، وما لمح لإبراهيم بفرض الذبح المترائى إلّا في رؤياه الأخيرة فقال (يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ).
... وقد تعني «أرى» رؤيا واحدة متأكدة دون تكرار ، وفي تبديل الماضي «رأيت» بالمستقبل «أرى» لمحة إلى أنه عاش رؤياه ذاكرا لها دون نسيان ، وأن مفاد رؤياه باق إلى الحال وحتى يتحقق عمليا ، ففي الماضي مجال التحول نسخا في الحال!
ولأن ذلك الأمر كان بلاء مبينا لهما ، لا ـ فقط ـ لإبراهيم ، فليعرض على الذبيح كما عرض على الذابح ، ولكي يسلم كما أسلم الذابح ، دونما مفاجئة عليه فيما رآه! فلا يأخذه على غفلة وغرّة تنفيذا لما رأى ، بل تحضيرا له لكي يرى ما رأى ولينال هو الأخر أجر الطاعة ، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم ، فإنه يحبّ لابنه ما يحبه لنفسه! و (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ)!
ففي رؤياه تلك بلاء ، وفي عرضها على ابنه بلاء ثان ، وفي تحقيقها بعد عرض ثالثة البلاء ، فهي تفوق كل بلاء ابتلي بها إبراهيم طول حياته ، ولأنها التالية لبلاء أبيه آزر وقومه ، وبلاء النار وساير
__________________
(١) الفخر الرازي في تفسيره الكبير ٢٦ : ١٥٣ وروى من طريق آخر انه راى ليلة التروية في منامه كأن قائلا يقول ان الله يأمرك بذبح ابنك هذا فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح الى الرواح أمن الله هذا الحلم ام من الشيطان فمن ثم سمي يوم التروية فلما امسى رأى مثل ذلك فعرف انه من الله فسمي يوم عرفة ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهمّ بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول اهل التفسير ... أقول من المحتمل صدقه إلا في شكه ام من الشيطان ، وكما ذكرناه في المتن.
![الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة [ ج ٢٥ ] الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3050_alfurqan-fi-tafsir-alquran-25%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
