ليجازوا بما عملوه في الدنيا من خير وشر ، فيكون المراد بقوله : (لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ) ليروا جزاء أعمالهم وهو الجنة والنار ، ولهذا قال :
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) أي فمن يعمل في الدنيا وزن نملة صغيرة أو هباء لا يرى إلا في ضوء الشمس ، والمراد أي عمل مهما كان صغيرا ، فإنه يجده يوم القيامة في كتابه ، ويلقى جزاءه ، فيفرح به ، أو يراه بعينه معروضا عليه. وكذلك من يعمل في الدنيا أي شيء من الشر ولو كان حقيرا أو قليلا ، يجد جزاءه يوم القيامة ، فيسوؤه. والذرّ كما تقدم : ما يرى في شعاع الشمس من الهباء ، أو هو النملة الصغيرة.
ونظير الآية قوله تعالى : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ، فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ، وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) [الأنبياء ٢١ / ٤٧] وقوله سبحانه : (وَوُضِعَ الْكِتابُ ، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ، وَيَقُولُونَ : يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها ، وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ، وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) [الكهف ١٨ / ٤٩].
وفي صحيح البخاري عن عدي مرفوعا : «اتقوا النار ولو بشقّ تمرة ، ولو بكلمة طيبة»وفي الصحيح له أيضا : «لا تحقرنّ من المعروف شيئا ، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ، ولو أن تلقى أخاك ، ووجهك إليه منبسط» وفي الصحيح أيضا : «يا معشر نساء المؤمنات لا تحقرنّ جارة لجارتها ، ولو فرسن شاة» يعني ظلفها. وفي الحديث الآخر الذي أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ والنسائي عن حوّاء بنت السكن : «ردّوا السائل ، ولو بظلف محرق». وأخرج الإمام أحمد عن عائشة أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم قال : «يا عائشة استتري من النار ، ولو بشق تمرة ، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان».
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أنس قال : «كان أبو بكر يأكل مع النبي صلىاللهعليهوسلم ، فنزلت هذه الآية : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ
![التفسير المنير [ ج ٣٠ ] التفسير المنير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2979_altafsir-almunir-30%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
