وتقدم خالد فى الخيل حتى أطل على الروم ، فلما رأوه خرجوا إليه فى الخيل والرجل جميعا ، وقالوا : إن العرب أفرس على الخيل منا ، وخيلنا لا تكاد تثبت لخيلهم ، فاخرجوا إليهم فى الخيل والرجال ، وكان خالد قد هزم خيلهم بالأمس ، فكان ذلك أيضا ، مما حملهم على الخروج على هذه التعبئة ، خرجوا وهم خمسة صفوف ، فأول صف من صفوفهم جعلوا فيه الفارس بين راجلين : رامح وناشب ، وجعلوا صفا من الخيل وراء هذا الصف ، وجعلوا له مجنبتين.
ثم صفوا ثلاثة صفوف أخر رجالا كلهم ، ثم أقبلوا نحو المسلمين ، وهم نحو خمسين ألفا. فكان أول من لقيهم خالد بن الوليد فى الخيل ، فأخذ لا يجد عليهم مقدما ، وأخذوا يزحفون إليه ويرشقونه بالنشاب ، وجعل ينكص هو وأصحابه وراءهم ، وأخذت الروم تقدم عليهم وهم يتأخرون ، حتى انتهوا إلى صفهم ، ودافعت أعجاز كثير من خيلهم صدور رجالهم ، ثم إن خالدا بعث إلى قيس بن هبيرة : أن اخرج فى خيلك حتى تأتى ميسرتهم فتحمل عليها ، وقال لميسرة بن مسروق : قف قبالة صفهم فى خيلك ، وضمها إليك كتيبة واحدة ، فإذا رأيتنا قد حملنا وانتقض صفهم فاحمل على من يليك منهم.
وكان خالد قسم خيله أثلاثا ، فجعل للمرادى قيس بن هبيرة ، ثلثها ، ولميسرة بن مسروق العبسى ثلثها ، وكان هو فى ثلثها ، فخرج خالد فى ثلث الخيل التي معه حتى انتهى إلى ميمنتهم ، فعلاها ، حتى إذا ارتفع عليهم أخرجوا إليه خيلا لهم ، كما تشغله وأصحابه ، فلما دنت منه ، قال : الله أكبر ، الله أخرجهم لكم من رجالتهم ، شدوا عليهم ، ثم استعرضهم فشد عليهم ، وشد معه أصحابه بجماعة خيلهم ، فهزمهم الله ، ووضعوا السلاح والسيوف فيهم حيث شاءوا ، فصرعوا منهم أكثر من سبعين قبل أن ينتهوا إلى ميمنتهم ، وارتفع قيس بن هبيرة إلى ميسرتهم ، فأخرجوا إليه خيلا كما صنعوا بخالد ، فحمل عليهم قيس ، فهزمهم وضربهم حتى انتهى إلى ميسرتهم ، وقتل منهم بشر كثير ، وقتلى عظيمة ، وكان واثلة بن الأسقع فى خيل قيس بن هبيرة ، فخرج له بطريق من كبارهم ، فبرز واثلة وهو يقول فى حملته :
|
ليث وليث فى مجال ضنك |
|
كلاهما ذو أنف ومعك |
|
أجول جول صارم فى العرك |
|
أو يكشف الله قناع الشك |
|
مع ظفرى بحاجتى ودركى |
||
ثم حمل على البطريق فضربه ضربة قتله بها ، وحملوا بأجمعهم حتى اضطروا الروم إلى عسكرهم ، ووقفوا بإزائهم.
![الإكتفا [ ج ٢ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2526_alektefa-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
