قال هاشم بن عتبة رحمهالله : والله لقد كنا أشفقنا يومئذ ، على خيلنا أول النهار ، ثم أحسن الله ، فما هو إلا أن رأينا خيلنا قد نصرها الله على خيلهم ، فدعوت الناس إلىّ وأمرتهم بتقوى الله ، ثم نزلت ، فهززت رايتى ، ثم قلت : والله لا أردها حتى أركزها فى صفهم ، فمن شاء فليتبعنى ، ومن شاء فليتخلف عنى ، قال : فو الذي لا إله غيره ، ما أعلم أن أحدا من أصحاب رايتى تخلف عنى ، حتى انتهيت إلى صفهم ، فنضحونا بالنشاب ، فجثونا على الركب واتقيناهم بالدرق.
ثم ثرت بلوائى وقلت لأصحابى : شدوا عليهم أنا فداؤكم ، فإنها غنيمة الدنيا والآخرة ، فشددت وشدوا معى ، فأستقبل عظيما منهم قد أقبل نحوى فأوجزه الرمح ، فخر ميتا ، وضاربناهم بالسيوف ساعة فى صفهم ، وحمل عليهم خالد من قبل ميسرتهم فقتلهم قتلا ذريعا ، وانتقضت صفوفهم من قبل خالد ومن قبلى ، ونهد إليهم أبو عبيدة بالناس ، وأمر الخيل التي كانت تليه من خيل خالد ، فحملت عليهم ، فكانت هزيمتهم (١).
وقال عمرو بن مالك القينى عن أبيه : كان منا رجل له فينا منزلة وحال حسنة ، قال:فقلت فى نفسى : قد بلغنى أن صاحب العرب هذا ، يعنى أبا عبيدة ، رجل صدق ، فو الله لآتينه فلأصحبنه ولأتعلمن منه. قال : فكنت آتيه وأخرج معه إذا خرج إلى عسكره ، فلما كان ذلك اليوم أقبل حتى كان إلى جنب أبى عبيدة ، فألظ به لا يفارقه ، قال : فو الله لرأيته يقص علينا ، ويقول : كونوا عباد الله أولياء الله ، وارغبوا فيما عند الله أشد من رغبتكم فى الدنيا ، ولا تواكلوا فتخاذلوا ، وليغن كل رجل منكم قرنه ، وأقدموا إقدام من يريد بإقدامه ثواب الله ، ولا يكن من لقيكم من عدوكم أصبر على باطلهم منكم على حقكم ، ثم نهض يمشى إليهم ، ونهض المسلمون معه تحت راياتهم ببصيرة وسكينة ودعة وحسن رعة ، وحمل قيس بن هبيرة على الروم من قبل ميسرتهم ، فقصف بعضهم على بعض (٢).
وعن يحيى بن هانئ المرادى : أن قيسا قطع يومئذ ثلاثة أسياف ، وكسر بضعة عشر رمحا ، وكان يقاتل ويقول :
|
لا يبعدن كل فتى كرار |
|
ماضى الجنان شاحب صبار |
|
حين تهم الخيل بالإدبار |
|
يقدم إقدام الشجاع الضارى |
__________________
(١) انظر : تاريخ فتوح الشام للأزدى (١٢٣ ـ ١٢٤).
(٢) انظر : تاريخ فتوح الشام (١٣٤ ـ ١٣٥).
![الإكتفا [ ج ٢ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2526_alektefa-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
