خيل عظيمة ، هى أعظم من الخيلين جميعا ، عليها بطريق عظيم من بطارقتهم ، فجاء حتى إذا دنا من خالد ، أمر بشطر خيله ، فحملت على خالد وأصحابه ، فلم يتخلخل أحد منهم ، ثم إنه جمعهم جميعا ، فحمل بهم ، فلم يبرح أحد من المسلمين ، فلما رأى ذلك الرومى انصرف.
فقال خالد لأصحابه : إنه لم يبق من جد القوم ولا حدهم ولا قوتهم إلا ما قد رأيتم ، فاحملوا معى يا أهل الإسلام حملة واحدة واتبعوهم ولا تقلعوا عنهم رحمكم الله. ثم حمل عليهم خالد بمن معه ، فكشف من يليه منهم ، وحمل قيس بن هبيرة على الذين كانوا يلونه فهزمهم وكشفهم ، وحمل ميسرة على الذين كانوا يلونه ، فهزمهم ، واتبعهم المسلمون يقتلونهم ويقصفون بعضهم على بعض ، حتى اضطروهم إلى عسكرهم وقد رأوا ما أصابهم ، فانكسروا ووهنوا وهابوا المسلمين هيبة شديدة ، وانصرف المسلمون إلى عسكرهم وقد قرت أعينهم ، واجتمعوا إلى أبى عبيدة وهم مسرورون بما أراهم الله فى عدوهم من عونه لهم عليهم فقال له خالد : إن هزيمتنا خيل المشركين قد دخل رعبها قلوب جماعتهم ، فكلهم قلبه مرعوب متخوف لمثلها منا مرة أخرى ، فناهض القوم غدا بالغداة ما دام رعب هذه الهزيمة فى قلوبهم ، فإنك إن أخرت قتالهم أياما ذهب رعبها من قلوبهم واجترؤوا علينا. قال أبو عبيدة : فانهضوا على بركة الله غدا بالغداة.
قال عمرو بن مالك القيسى : ولم يكن شيء أحب إلى الروم من التطويل ودفع الحرب ، انتظارا لمدد ، ولا شيء أحب إلى المسلمين من المناجزة وتعجيل الفراغ.
وقال عبد الله بن قرط : لما كانت الليلة التي خرجنا فى صبيحتها إلى أهل فحل ، خرج إلينا أبو عبيدة فى الثلث الباقى من الليل ، فلم يزل يعبئ الناس ويحرضهم حتى إذا أصبح صلى بالناس ، فكان إلى التغليس أقرب منه إلى التنوير ، ثم إنه جعل على ميمنته معاذ بن جبل ، وعلى ميسرته هاشم بن عتبة ، وعلى الرجالة سعيد بن زيد ، وعلى الخيل خالد بن الوليد ، ثم زحف أبو عبيدة بالناس ، وأخذوا يزفون زفا رويدا على رسلهم.
وركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره ، يقف على كل راية وكل قبيلة ، ويقول : عباد الله ، استوجبوا من الله النصر بالصبر ، فإن الله مع الصابرين ، عباد الله ، ليبشر من قتل منكم بالشهادة ، ومن بقى بالنصر والغنيمة ، ولكن وطنوا أنفسكم على القتال والطعن بالرماح ، والضرب بالسيوف ، والرمى بالنبل ، ومعانقة الأقران ، فإنه والله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته والصبر فى المواطن المكروهة التماس رضوانه.
![الإكتفا [ ج ٢ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2526_alektefa-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
