ثم إن القوم تداعوا إلى الصلح ، فساروا حتى نزلوا المطابخ (١) شعبا بأعلى مكة ، فاصطلحوا به وأسلموا الأمر إلى مضاض.
فلما رجع إليه أمر مكة فصار ملكها له ، نحر للناس وأطعمهم ، فاطبخ الناس وأكلوا.
فيقال : ما سميت المطابخ إلا لذلك. وبعض أهل العلم يزعم أنها إنما سميت بذلك لما كان تبع نحر بها وأطعم ، وكان منزله.
فكان الذي كان بين مضاض والسميدع أول بغى كان بمكة ، فيما يزعمون.
ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة ، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة ، لا ينازعهم ولد إسماعيل فى ذلك ، لخؤولتهم وقرابتهم ، وإعظاما للحرمة أن يكون بها بغى أو قتال.
فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل ، انتشروا فى البلاد ، فلا يناوءون قوما إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم.
ثم إن جرهم بغوا بمكة ، واستحلوا [خلالا] (٢) من الحرمة ، وظلموا من دخلها من غير أهلها ، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى لها ، فرق أمرهم.
فلما رأت ذلك بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة ، وغبشان من خزاعة ، أجمعوا لحربهم وإخراجهم من مكة ، فآذنوهم بالحرب. فاقتتلوا فغلبتهم بنو بكر وغبشان ، فنفوهم من مكة.
وكانت مكة فى الجاهلية لا تقر فيها ظلما ولا بغيا ، ولا يبغى فيها أحد إلا أخرجته ، فكانت تسمى الناسة ، ولا يريدها ملك يستحل حرمتها إلا هلك مكانه. فيقال : ما سميت ببكة (٣) ، إلا أنها كانت تبك أعناق الجبابرة إذا أحدثوا فيها شيئا.
__________________
(١) المطابخ : موضع معروف بمكة. انظر : الروض المعطار (ص ٥٤٣).
(٢) ما بين المعقوفتين فى الأصول : «حلالا» ، وما أوردناه من السيرة. وخلال : جمع خلة وهى الخصلة.
(٣) قال ابن هشام فى السيرة (١ / ١٠٩) : أخبرنى أبو عبيدة : أن بكة اسم لبطن مكة ؛ لأنهم يتباكون فيها ، أى : يزدحمون ، وأنشدنى :
|
إذا الشريب أخذته أكه |
|
فخله حتى يبك بكه |
أى : فدعه حتى يبك إبله ، أى يخليها إلى الماء ، فتزدحم عليه ، وهو موضع البيت والمسجد ، وهذان البيتان لعامان بن كعب بن عمرو بن سعد بن زيد مناة بن تميم.
![الإكتفا [ ج ١ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2513_alektefa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
