ونفرغ مما بيننا وبينه ؛ فأرسلوا إليهم : إن اليوم يوم السبت ، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا ، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا ، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب ، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا والرجل فى بلادنا ولا طاقة لنا بذلك.
فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان : والله ، إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق. فأرسلوا إلى بنى قريظة : إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا ، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا : إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق ، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا فإن رأوا فرصة انتهزوها وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل فى بلدكم. فأرسلوا إلى قريش وغطفان : إنا والله لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا. فأبوا عليهم.
وخذل الله بينهم ، وبعث عليهم الريح فى ليال شاتية شديدة البرد ، فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم.
فلما انتهى إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه ليلا لينظر ما فعل القوم ، فحدث حذيفة ـ رحمهالله ـ وقد قال له رجل من أهل الكوفة : يا أبا عبد الله ، أرأيتم رسول الله صلىاللهعليهوسلم وصحبتموه؟ قال نعم يا ابن أخى. قال : فكيف كنتم تصنعون؟ قال : والله لقد كنا نجهد. قال الرجل : والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا. فقال حذيفة : يا بن أخى ، والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالخندق وصلى هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال : «من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ـ يشرط له رسول الله صلىاللهعليهوسلم الرجعة ـ أسأل الله أن يكون رفيقى فى الجنة؟» (١) فما قام رجل من القوم من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد ، فلما لم يقم أحد دعانى فلم يكن لى بد من القيام حين دعانى فقال : «يا حذيفة ، اذهب فادخل فى القوم فانظر ما يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا» (٢).
__________________
(١) انظر الحديث فى : مسند الإمام أحمد (٢ / ٣٩٢) ، تفسير الطبرى (٢١ / ٨٠) ، تفسير ابن كثير (٦ / ٣٨٦) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤ / ١١٣).
(٢) انظر الحديث فى : مسند الإمام أحمد (٥ / ٣٩٢) ، تفسير ابن كثير (٦ / ٣٨٦) ، تفسير الطبرى (٢١ / ٨٠) ، البداية والنهاية لابن كثير (٤ / ١١٣).
![الإكتفا [ ج ١ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2513_alektefa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
