بدأ الله خلق الأشياء ، خلق التربة قبل السماء ، فلما خلق السماء وقضاهن سبع سماوات ، دحا الأرض ، أى بسطها ، وإنما دحاها من تحت الكعبة ، فلذلك سميت مكة أم القرى.
وذكر ابن هشام أن الماء لم يصل الكعبة حين الطوفان ، ولكنه قام حولها ، وبقيت هى فى هواء إلى السماء ، وأن نوحا قال لأهل السفينة ، وهى تطوف بالبيت : إنكم فى حرم الله عزوجل وحول بيته ، فأحرموا لله ولا يمس أحد امرأة. وجعل بينهم وبين النساء حاجزا ، فتعدى حام ، فدعا عليه نوح بأن يسود الله لون بنيه ، فأجابه الله على وفق ما دعاه ، واسود كوش بن حام وولده إلى يوم القيامة.
وقد قيل فى سبب دعوته غير هذا ، فالله أعلم.
ويروى أنه لما نضب ماء الطوفان ، بقى مكان البيت ربوة من مدرة ، فحج إليه بعد ذلك هود وصالح ومن آمن معهما ، وأن يعرب قال لهود عليهالسلام : ألا تبنيه؟ قال : إنما يبنيه نبى كريم يأتى من بعدى ، يتخذه الرحمن خليلا.
قال أبو الجهم ، من حديث الواقدى (١) : حتى أراد الله بإبراهيم ما أراد ، فولد له إسماعيل وهو ابن تسعين سنة ، فكان بكر أبيه ، فلما أراد الله عزوجل ، أن يبوئ لإبراهيم مكان البيت وأعلامه ، أوحى الله إليه يأمره بالمسير إلى بلده الحرام ، فركب إبراهيم البراق ، وحمل إسماعيل أمامه وهو ابن سنتين ، وهاجر خلفه ، ومعه جبريل يدله على موضع البيت ومعالم الحرم ، فكان لا يمر بقرية إلا قال له إبراهيم : بهذه أمرت يا جبريل؟ فيقول جبريل : لا. حتى قدم به مكة ، وهى إذ ذاك عضاة وسلم وسمر ، والعماليق يومئذ حول الحرم ، وهم أول من نزل مكة ويكونون بعرفة ، وكانت المياه يومئذ قليلة ، وكان موضع البيت قد دثر وهو ربوة حمراء مدرة ، وهو يشرف على ما حوله ، فقال جبريل حين دخل من كداء (٢) ، وهو الجبل الذي يطلعك على الحجون (٣) والمقبرة : بهذا أمرت. قال إبراهيم : بهذا أمرت؟ قال : نعم.
__________________
(١) انظر ما ذكره ابن كثير فى البداية (١ / ١٥٩).
(٢) كداء : بفتح أوله ممدود لا يصرف لأنه مؤنث ، جبل بمكة ، وهو عرفة وهى كلها موقف إلا عرنة فليست فى الحرم بينها وبين الحرم رمية حجر. انظر : الروض المعطار (٤٩٠) ، معجم ما استعجم (٤ / ١١١٧ ، ١١٨).
(٣) الحجون : بفتح الحاء ، موضع بمكة عند المحصب ، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي يلى شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين فى حائط عوف ، وقيل : الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبى موسى الأشعرى رضى الله عنه. انظر : الروض المعطار (١٨٨).
![الإكتفا [ ج ١ ] الإكتفا](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2513_alektefa-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
