والأجارع ، (١) فقلنا : اللهمّ نفّله أيدي عبادك ، وأرنا فيه آية من آيات جهادك ، ونزلنا بساحتها العريضة المتون ، نزول الغيث الهتون ، وتيمّنا من فحصها بسورة التين والزيتون ، متبرّئة من من أمان الرّحمن للبلد المفتون ، وأعجلنا الناس بحمية نفوسهم النّفيسة ، وسجية شجاعتهم البئيسة ، (٢) عن أن تبوّأ (٣) للقتال المقاعد ، (٤) وتدني بإسماع شهير النفير منهم الأباعد ، وقبل أن يلتقي الخديم بالمخدوم ، ويركع المنجنيق ركعتي القدوم ، فدفعوا من أصحر إليهم من الفرسان. وسبق إلى حومة الميدان ، (٥) حتى أحجروهم في البلد ، وسلبوهم لباس الجلد ، (٦) في موقف يذهل الوالد عن الولد ، صابت السّهام فيه غماما ، (٧) وطارت كأسراب الحمام تهدى حماما ، (٨) وأضحت القنا قصدا ، (٩) بعد أن كانت شهابا رصدا ، وماج بحر القتام (١٠) بأمواج النّصول ، وأخذ الأرض الرجفان لزلزال الصّياح الموصول ، فلا ترى إلا شهيدا تظلّل مصرعه الحور ، (١١) وصريعا تقذف به إلى الساحل تلك البحور ،
__________________
(١) المحاني ، جمع محنية ؛ وهي منعرج الوادي ، وما انحنى من الأرض. والأجارع ، جمع أجرع ؛ وهي الأرض الطيبة المنبت ، والأرض فيها حزونة.
(٢) الشديدة البأس.
(٣) تبوأ : تهيأ.
(٤) المقاعد : مواقف للقتال تعين لكل واحد من المقاتلين ؛ يعني عجلنا بالهجوم قبل أن يتخذ كل مقاتل مكانا معينا. والإشارة إلى الآية (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) (١٢١ من سورة آل عمران) واضحة. وانظر حاشية القاضي زاده على البيضاوي ٣ / ١٣٠ / ١٣٢.
(٥) حومة الميدان : أشد موضع فيه وقت القتال.
(٦) الجلد : القوة ، والصبر.
(٧) صابت السهام غماما : نزلت كالغمام لكثرتها.
(٨) الحمام (بالكسر) : قضاء الموت وقدره.
(٩) قصدا : قطعا ؛ يقال : القنا قصد أي مكسورة.
(١٠) القتام : الغبار.
(١١) جمع حوراء ؛ وهي التي اشتد بياض عينها ، وسواد سوادها.
