فشاور أبا إسحاق المروزي ، فقال له : ما الرأي ، هذا موسى بن كعب لنا دون خراسان ، وهذه سيوف أبي جعفر من خلفنا ، وقد أنكرت من كنت أثق به من (١) أهل عسكري؟ فقال له : أيها الأمير هذا رجل يضطغن عليك أمورا متقدمة عليك بنيسابور ، فلو كنت إذ ذاك هذا رأيك وواليت رجلا من آل علي كان أقرب إلى الحق ، ولو أنك قبلت توليته إياك خراسان والشام ، وغزوت الصائفة مددت (٢) بك الأيام ، وكنت في فسحة من أمرك ، ووجّهت إلى المدينة فاختلبت (٣) رجلا من بني فاطمة فنصّبته إماما ، فاستملت أهل خراسان وأهل العراق ، ورميت أبا جعفر بنظيره لكنت على طريق التدبير ، أتطمع أن تحارب أبا جعفر ثم تقوى به وأنت بحلوان وعساكره بالمدائن ، وهو خليفة مجمع عليه ، لبئس ما ظننت.
قال : ما الرأي؟ فإنّ هذا قد فات ، قال : الرأي ضيق وأمرك منتشر ، ولكن أقول على الاضطرار أرى أن تكتب إلى قوادك وعمالك وتفعل كذا وكذا أمر قد ذكره.
قال : هذا رأي إن وافقنا علينا قوادنا ، قال [(٤) : فما دعاك إلى أن تخلع أبا جعفر وأنت على غير ثقة من قوادك؟ أنا استودعك] الله من قتيل.
وقال له أبو إسحاق : أرى أن توجّه بي إلى أبي جعفر حتى أسأله لك الأمان ، فإنّك منه على إحدى منزلتين : إما صفح عنك ، وإما عاجلك وأنت على شعبة من عزك من قبل أن ترى المذلة والصغار من أهل عسكرك ، فإما صرت في أيديهم أسيرا وإما قتيلا يركضون برأسك إلى المدائن.
قال : وقدم عليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي ، وكان واحد أهل زمانه وكان أبو مسلم يعرفه بخراسان ، فقال : أيها الأمير ضربت الناس عن عرض أهل هذا البيت ينصرف على هذه الحال لا أمران يفسد من هناك ومن هنا وان يقال طلب بثأر قوم ثم يعص فيخالفك من يأمر الأمر ، ثم يبلغ بك ما تكره ، ولا رأي أن ينصرف على هذه الحال.
وسفرت بينه وبين أبي جعفر (٥) السفراء ، وأخذوا له الأمان ، فأقبل حتى دخل على أبي جعفر وهو يومئذ بالرومية من المدائن ، فأمر الناس فتلقوه ، وأذن له فدخل على دابّته ورحب به وعانقه ، وقال : كدت أن تخرج قبل أن أفضي إليك بما أريد ، قال : أتيت يا أمير المؤمنين فمر
__________________
(١) سير أعلام النبلاء : من أمرائي.
(٢) سير أعلام النبلاء : مدّت.
(٣) كذا بالأصل وم ، وفي سير أعلام النبلاء : فاختلست.
(٤) ما بين الرقمين بياض في م.
(٥) أقحم بعدها بالأصل : ومسلم.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ٣٥ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2318_tarikh-madinat-sana%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
