فلقينا مركب من مراكب العدو فقاتلناهم ، وكنت ممن قاتل ، فسلّم المركب قوم من مقدّمه ، فأخذوني فضربوني ضربا وجيعا ، وكتبوا أسماء الأسرى ، فقالوا لي : اسمك؟ قلت : خيثمة ، قالوا : ابن من؟ قلت : قلت ابن حيدرة ، فقالوا : اكتب حمار بن حمار ، قال : فلما ضربوني سكرت ونمت ، فرأيت في النوم كأني في الآخرة ، وكأني أنظر إلى الجنة وعلى بابها من الحور العين جماعة يتلاعبن ، فقالت إحداهن لي : يا شقيّ أيش فاتك ، فقالت الأخرى : أيش فاته؟ قالت : لو كان قتل مع أصحابه كان في الجنة مع الحور العين ، فقالت لها الأخرى : يا فلانة لأن يرزقه الله الشهادة في عزّ من الإسلام وذلّ من الشرك خير من أن يرزقه شهادة في ذل من الإسلام وعزّ من الشرك ، ثم انتبهت وجعلت في الأسرى ، فرأيت في بعض الليالي في منامي كأن قائلا يقول لي : اقرأ (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)(١) فقرأتها إلى أن بلغت (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)(٢) قال : وانتبهت فعددت من ليلة الرؤيا أربعة أشهر ففكّ الله أسري.
أخبرنا أبو محمّد بن الأكفاني ، أنا أبو محمّد عبيد الله بن إبراهيم بن كبينة النجار إجازة ، أنا تمام بن محمّد بن عبد الله قراءة عليه ، نا أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي ، قال : كنا في بلاد الروم في الحبس عشرة أنفس فبينا أنا نائم إذا بإنسان يقول : اقرأ ، قلت : ما أقرأ؟ قال : اقرأ (بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) فقرأت إلى أن بلغت (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي)(٣)(اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ) فانتبهت ، فقال لي أصحابي : يا أبا الحسن سمعناك تقرأ ببراءة ، فقلت لهم : سمعتموني؟ قالوا لي : نعم ، تصيح ، فبعد ثلاثة أيام جاء فرسان فحملونا إلى رسول الملك ابن طولون خمار قال خيثمة : فلم أزل أعد الأيام يوما يوما إلى تمام أربعة أشهر صرت إلى أطرابلس.
أخبرنا أبو القاسم نصر بن أحمد بن مقاتل ، أنا أبو محمّد عبد الله بن الحسن بن حمزة بن الحسن بن أبي فجة (٤) البعلبكي ، أنا أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن أبي كامل إجازة ، قال : سمعت خيثمة يقول (٥) : كنت بدمشق فحدثت بحديث سفيان
__________________
(١) سورة التوبة ، الآية : ٢.
(٢) سورة التوبة ، الآية : ٢.
(٣) الأصل «معجز» والصواب عن التنزيل العزيز.
(٤) كذا بالأصل وم.
(٥) انظر سير الأعلام ١٥ / ٤١٤ وتذكرة الحفاظ ٣ / ٨٥٨ ـ ٨٥٩.
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ١٧ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2233_tarikh-madina-damishq-17%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
