لم نقل كلها كانت في الحج. وحرر فيه أخيرا بعض المقتدرين بمصر رحلة مفيدة.
وكتب الرحالون سابقا في رحلاتهم على ما رأوا من المدن والطرقات والأمم والصناعات ، فعادت هذه الكتب على علم الجغرافيا وعلم الأخلاق وعلم الصنائع بفوائد عظمى. وقد حاول من قديم كثير من الناس وفي أوقات مختلفة تحويل وجهة الحجاج إلى أماكن أخرى لمثل غايات سياسية أو مالية وصرف وجوههم عن أول بيت وضع للناس (بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ) فلم ينجحوا. واقتلعت القرامطة الحجر الأسود ولم يرجع إلّا في سنة ٣٣٧ بمكتوب صدر من المنصور العبيدي وهو بمنصوريته المعروفة بصبرة جوار القيروان يخاطب به قادة القرامطة بجزيرة العرب ، ومنه يظهر حسن صنع القيروان في جانب بيت الله الحرام ، كما تعلم الدرجة التي بلغت إليها القيروان في نفوذ الكلمة ورفعة الجاه وبعد الصيت وعلو الكعب ، بحيث يرجع الحجر الأسود وما أدريك ما الحجر الأسود إلى مكة. وقد عجزت عن إرجاعه أمم الحجيج ثلاثا وعشرين سنة ، بمجرد كتاب يرسل من القيروان ، وهذا فخر يخلد للقيروان ما دامت الأمم من أقاليم الأرض تلمس الحجر الأسود وتقبله في كل عام بمكانه من بيت الله الحرام.
ولكل أمة أماكن محترمة يتواردون عليها من جميع الجهات في ساير السنة أو بعض الأوقات تروج فيها أسواق التجارة والآداب. والقيروان في القديم بشمال إفريقيا يمر بها أمم الأندلس والمغرب الأقصى والأدنى في الأركاب ، ويزيلون بها الأتعاب ، ويجددون ما نقصهم ويشترون ما خصهم. وقد تقدم في القسم العلمي حفاوة أهل القيروان بركب الأندلس وإكرامهم لفضلاء قرطبة في آخر القرن الثالث للروابط العلمية والتعارف القديم. وليس لهم في تلك العصور ما يسهل المواصلة من العربات والبخار ، وما هي إلا كور الرواحل ، وسروج الصواهل. ومن رسوم ركب الحج أن يكون عليه رئيس يجمع كلمتهم وينظر في مصالحهم ، ويعطى لقب أمير الركب ، يرحلون ويقيمون حسب إشارته وتدبيره وشروطه ذكرها الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية.
وكثيرا ما يسمى به قاض يعين من نبهاء العلماء ، وعيف ينظر في الطرقات وأليقها بالحجيج خصبا وأمنا ، فتكون وظيفته جغرافية هندسية ، والقاضي لإفادة شعاير الدين ، والأمير نايب عن المخزن ورئيس الكل. ومن الذين سمتهم الدولة من
