بذلك. وكذلك لو قلت : ارتفع لأن عليه عائدا من بعده ، أو ارتفع لأن عائدا عاد إليه ، أو لعود ما عاد من ذكره ، أو لأنّ ذكره أعيد عليه ، أو لأن ذكرا له عاد من بعده ، أو نحو ذلك ، لقلت فى جميعه : هذا قول الكوفيين ، ولم تحفل باختلاف ألفاظه ؛ لأنك إنما تريد اعتقادهم لا نفس حروفهم. وكذلك يقول القائل : لأبى الحسن فى هذه المسألة قول حسن ، أو قول قبيح ، وهو كذا ، غير أنى لا أضبط كلامه بعينه.
ومن أدلّ الدليل على الفرق بين الكلام والقول إجماع الناس على أن يقولوا : القرآن كلام الله ، ولا يقال : القرآن قول الله ؛ وذلك أنّ هذا موضع ضيق متحجّر ، لا يمكن تحريفه ، ولا يسوغ تبديل شيء من حروفه. فعبر لذلك عنه بالكلام الذى لا يكون إلا أصواتا تامّة مفيدة ، وعدل به عن القول الذى قد يكون أصواتا غير مفيدة ، وآراء معتقدة. قال سيبويه : «واعلم أنّ «قلت» فى كلام العرب إنما وقعت على أن يحكى بها ، وإنما يحكى بعد القول ما كان كلاما لا قولا».
ففرق بين الكلام والقول كما ترى. نعم وأخرج الكلام هنا مخرج ما قد استقرّ فى النفوس ، وزالت عنه عوارض الشكوك. ثم قال فى التمثيل : «نحو قلت زيد منطلق ؛ ألا ترى أنه يحسن أن تقول : زيد منطلق» فتمثيله بهذا يعلم منه أنّ الكلام عنده ما كان من الألفاظ قائما برأسه ، مستقلا بمعناه ، وأنّ القول عنده بخلاف ذلك ؛ إذ لو كانت حال القول عنده حال الكلام لما قدّم الفصل بينهما ، ولما أراك فيه أن الكلام هو الجمل المستقلّة بأنفسها ، الغانية عن غيرها ، وأنّ القول لا يستحقّ هذه الصفة ، من حيث كانت الكلمة الواحدة قولا ، وإن لم تكن كلاما ، ومن حيث كان الاعتقاد والرأى قولا ، وإن لم يكن كلاما. فعلى هذا يكون قولنا قام زيد كلاما ، فإن قلت شارطا : إن قام زيد ، فزدت عليه «إن» رجع بالزيادة إلى النقصان ، فصار قولا لا كلاما ؛ ألا تراه ناقصا ، ومنتظرا للتمام بجواب الشرط.
وكذلك لو قلت فى حكاية القسم : حلفت بالله ، أى كان قسمى هذا لكان كلاما ، لكونه مستقلا ، ولو أردت به صريح القسم لكان قولا ، من حيث كان ناقصا ؛ لاحتياجه إلى جوابه. فهذا ونحوه من البيان ما تراه.
فأمّا تجوّزهم فى تسميتهم الاعتقادات والآراء قولا فلأن الاعتقاد يخفى فلا
![الخصائص [ ج ١ ] الخصائص](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F2068_alkhasais-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
