وإذا استعملت تامّة كانت بمعنى فعل لازم ، فـ «كان» بمعنى : حصل ، نحو (وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ) [البقرة : ٢٨٠] أي : حصل ، و «أمسى» بمعنى : دخل في المساء ، و «أصبح» بمعنى : دخل (١) في الصّباح ، نحو (فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ) [الروم : ١٧] أي : حين تدخلون في المساء ، وحين تدخلون (٢) في الصّباح ، و «دام» بمعنى : بقي ، نحو (خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ
__________________
الحدث ، فإذا فرض زوال ما به الافتراق وبقاء ما به التساوي لزم ألّا يكون بين الأفعال المذكورة فرق ما دامت على صيغة واحدة ، ولو كان الأمر كذلك لم يكن فرق بين «كان زيد غنيا» ، و «صار غنيا» ، والفرق حاصل فبطل ما يوجب خلافه. الخامس : أنّ من جملة العوامل المذكورة : «ما انفك» ، ولا بد معها من ناف ، فلو كانت لا تدل على الحدث الذي هو الانفكاك بل على زمن الخبر ـ لزم أن يكون معنى «ما انفك زيد غنيا» : ما زيد غنيا في وقت من الأوقات الماضية ، وفي ذلك نقيض المراد فوجب بطلان ما أفضى إليه. السادس : أنّ من جملة العوامل المذكورة «دام» ومن شرط إعمالها عمل «كان» كونها صلة لـ «ما» المصدرية ، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها ، كقولك : «جد ما دامت واجدا» أي : جد مدة دوامك واجدا ، فلو كانت «دام» مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسم الحدث. السابع : أنّ هذه الأفعال لو لم يكن لها مصادر لم تدخل عليها «أن» ، كقوله تعالى : (إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ) ، لأن «أن» هذه وما وصلت به في تأويل المصدر ، وقد جاء مصدرها صريحا في قول الشاعر :
|
ببذل وحلم ساد في قومه الفتى |
|
وكونك إيّاه عليك يسير |
وقد حكى أبو زيد مصدر «فتئ» مستعملا ، وحكى غيره «ظللت أفعل كذا ظلولا» ، وجاؤوا بمصدر «كاد» في قولهم : «ذلك ولا كيدا» أي : ولا أكاد كيدا ، وكاد فعل ناقص من باب «كان» إلا أنّها أضعف من «كان» ، إذ لا يستعمل لها اسم فاعل ، واسم فاعل «كان» مستعمل ، ولا يستعمل منها أمر ، والأمر من «كان» مستعمل ، وإذا لم يمتنع استعمال مصدر «كاد» وهي أضعف من «كان» فلئن لا يمتنع استعمال مصدر «كان» أحق وأولى. الثامن : أنّ هذه الأفعال لو كانت لمجرد الزمان لم يغن عنها اسم الفاعل ، كما جاء في الحديث : «إنّ هذا القرآن كائن لكم أجرا ، وكائن عليكم وزرا» ، لأنّ اسم الفاعل لا دلالة فيه على الزمان ، بل هو دال على الحدث ، وما هو به قائم ، أو ما هو عنه صادر. التاسع : أنّ دلالة الفعل على الحدث أقوى من دلالته على الزمان ، لأنّ دلالته على الحدث لا تتغير بقرائن ، ودلالته على الزمان تتغير بالقرائن ، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان. العاشر : أنّ هذه الأفعال لو كانت مجردة عن الحدث مخلصة للزمان ، لم يبن منها أمر ، كقوله تعالى : (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) ، لأنّ الأمر لا يبنى مما لا دلالة فيه على الحدث. فإذا قد ثبت بالدلائل المذكورة أنّ هذه الأفعال ـ غير ليس ـ دالة على الحدث والزمان كغيرها من الأفعال فليعلم أنّ سبب تسميتها نواقص إنّما هو لعدم اكتفائها بمرفوع.
انظر ذلك في شرح التسهيل لابن مالك : الجزء الأول (ورقة : ٥٥).
(١ ـ ٢) في الأصل : تدخلون. انظر التصريح : ١ / ١٩٠.
![شرح ابن طولون [ ج ١ ] شرح ابن طولون](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1864_sharh-ibn-tulun-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
