السببيّة ، وحقّ الفعل أن ينتصب بعد فاء السببية ، لكنه إنما انتصب (١) ، على تشبيهها بفاء السببية كما يجيء.
وإنما قلنا إن الفاء بهذا المعنى ليست للسببية ، لأن قولك : إن أتيتني حدثتني ، مخالف في المعنى لقولك : تأتيني ولا تحدثني ، بل إنما يعطي هذه الفائدة ، معنى فاء العطف الصّرف : إمّا عاطفة للاسم على الاسم نحو : ما كان منك إتيان فحديث ، على ما يؤوّلون به مثل هذا المنصوب ؛ وإمّا عاطفة للفعل على الفعل نحو : ما تأتيني فتحدثني بالرفع ، فيكون النفي في الموضعين شيئا واحدا واقعا على المعطوف والمعطوف عليه معا ، فيكون المجموع المقيّد بقيد تعقب الحديث إياه منفيا ، والمركب من جزأين ، ينتفي بانتفاء جزأيه معا ، وبانتفاء كل واحد من جزأيه ، أيضا ، فعلى الأول ، يكون المعنى ليس منك إتيان ولا حديث معه.
ويجوز أن يكون قوله تعالى : (ولا يؤذن لهم فيعتذرون) (٢) ، بهذا المعنى.
وعلى نفيك الجزء الثاني فقط يكون المعنى : منك إتيان ، لكن لا حديث بعده ، ومنه قول علي رضي الله عنه في نهج البلاغة (٣) : «لا يخرج لكم من أمري رضى فترضونه ولا سخط فتجتمعون عليه».
ولا يجوز أن يبقى الأول فقط ، لأن الحديث الذي يكون بعد الإتيان ، لا يكون من دون الإتيان ؛ بلى ، إن جعلت ما بعد الفاء على القطع والاستئناف ، لا معطوفا على الفعل الأول ، جاز هذا المعنى ، فيكون المراد : ما تأتينا ، فأنت تحدثنا بما يحدث به الجاهل بحالنا ، كما قال :
|
٦٥١ ـ غير أنّا لم تأتنا بيقين |
|
فنرجّي ونكثر التأميلا (٤) |
__________________
(١) أي في حالة خروج الفاء عن السببية ؛
(٢) الآية ٣٦ سورة المرسلات وتقدمت ؛
(٣) من خطبة له في تقريع أصحابه ص ٢٠٨ من نهج البلاغة ، طبع دار الشعب بالقاهرة ؛
(٤) من أبيات سيبويه التي لم يعرف لها قائل ، وهو في سيبويه ج ١ ص ٤١٩ ؛
![شرح الرضيّ على الكافية [ ج ٤ ] شرح الرضيّ على الكافية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1824_sharh-alrazi-alakafiate-04-1%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
