فيه مدينة. وكان أكثر فكره وتعجبه أنه نظر إلى جبل يدور بذلك الموضع وبالغيظة كلها. فكان له غلام يقال له دمشقيين (١) على جميع ملكه. ولما نزل ذو القرنين من عقبة دمّر سار حتى نزل في موضع القرية المعروفة بيلدا (٢) من دمشق على ثلاثة أميال فلما نزل ذو القرنين أمر أن يحفر له في ذلك الموضع حفرة ، فلما فعلوا ذلك أمر أن يردّ التراب الذي خرج (٣) منها إليها ، فلما ردّ التراب إليها لم تمتلئ الحفيرة فقال لغلامه دمشقيين (٤) : ارحل فإني كنت قد نويت أني أؤسس في هذا الموضع مدينة. فأمّا إذ بان لي منه هذا فلا يصلح أن يكون هاهنا مدينة. فقال له غلامه : ولم يا مولاي؟ قال ذو القرنين : إن بني هاهنا مدينة في هذا الموضع فإنها ما تكون تكفي أهلها زرعها.
قال المصنف للكتاب : وعلامة ذلك أن أهل غوطة دمشق لا تكفيهم غلّاتهم حتى يشتروا لهم من المدينة. وأن ذو القرنين رحل من هناك سائرا حتى صار إلى البثنيّة (٥) وحوران وأشرف على تلك البقعة (٦) ونظر إلى تلك التربة الحمراء ، فأمر أن يناول من ذلك (٧) التراب فلما صار في يده أعجبه لأنه نظر إلى تربة حمراء كأنها الزعفران ، فأمر أن ينزل هناك. فلما نزل ، أمر أن يحفر في ذلك الموضع حفيرة ، فلما حفر أمر أن يردّ ذلك التراب الذي حفر إلى المكان الذي أخرج منه ، فردّوه ففضل منه تراب كثير. فقال ذو القرنين لغلامه دمشقيين (٨) : ارجع إلى الموضع الذي فيه الأرز ، إلى ذلك الوادي ، فاقطع ذلك الشجر وابن على حافة الوادي مدينة وسمّها «دمشق» على اسمك ، فهناك يصلح أن يكون مدينة ، وهذا الموضع بحرها (٩) ومنه ميرتها يعني البثنية وحوران ، فرجع
__________________
(١ و ٤ و ٧) كذا ، وفي مخطوطة الخزانة العامة «دمشقين» وفي مختصر ابن منظور : «دمسقس» وفي المجلدة الأولى من ابن عساكر المطبوع : دمشقش.
(٢) يلدا : في ياقوت : يلدان ، من قرى دمشق. ثم ذكر حديث ابن أبي العجائز وفيه يلدا ـ كالأصل ـ ثم قال : كذا هي في الحديث بغير نون ، لا أدري أهما واحد أم اثنان.
(٣) الأصل ومخطوطة الخزانة العامة ، وفي مختصر ابن منظور ١ / ٤٥ أخرج.
(٥) البثنية : بالتحريك وياء مشددة ، يقال : بثنة وبثنية ، اسم ناحية من نواحي دمشق ، وقيل قرية بين دمشق وأذرعات.
وحوران : كورة واسعة من أعمال دمشق من جهة القبلة ، ذات قرى كثيرة ومزارع وحرار.
(٦) في مخطوطة الخزانة العامة : «البيعة» وفي مختصر ابن منظور ١ / ٤٥ والمجلدة الأولى من ابن عساكر المطبوع ص ١٤ «السّعة».
(٨) بالأصل «تلك» والمثبت عن مخطوطة الخزانة العامة.
(٩) البحر : الريف ، والعرب تسمي المدن والقرى بحارا (اللسان : بحر).
![تاريخ مدينة دمشق [ ج ١ ] تاريخ مدينة دمشق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1760_tarikh-madina-damishq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
