فلا بدّ من قصد غاية من تلك الغايات الشرعيّة حتّى يتحقّق الامتثال على ما عرفت.
إلّا أن يقول المستدلّ : مرادي من الرفع والاستباحة ما يشمل ما ذكر من الغايات ، فمدّعاه حقّ ، ودليله تام ، كما قال في «المبسوط» : تشترط نيّة الرفع أو استباحة مشروط بالطهارة (١) ، انتهى.
أو أنّ مراده أنّ الوضوء الذي يتوضّأ للصلاة لا بدّ فيه من قصد أحد الأمرين ، لا مطلق الوضوء.
وأمّا أنّ الصلاة تصحّ بوضوء آخر ؛ فهو مسلّم عنده أيضا البتة ، كما مرّ في أوّل بحث الوضوء.
وما أورد على المستدلّ أيضا بأنّه إن تمّ فإنّما يدلّ على وجوب قصد الاستباحة خاصّة ، والمدّعى وجوب أحدهما لا على التعيين ، وهو لا يدلّ عليه (٢).
جوابه : أنّ الدليل الذي استدلّ به إنّما نهض في الموضع الذي يظهر كون الوضوء شرطا لفعله ، فما لم يكن الشرط لم يتحقّق المشروط ، وحال عدم الشرط يعبّر عنه بالحالة المانعة ، ويعبّر عنها بالحدث ، ويعبّر عن رفع الحدث بالاستباحة ، فقصد رفع الحدث وقصد استباحة الصلاة مآلهما واحد ، لأنّهما وإن كانا مفهومين متغايرين ينفكّ أحدهما عن الآخر بالمفهوم ، إلّا أنّهما متّحدان في الثمرة في المقام.
والمستدلّ في مقام استدلاله ، وإن قال : لا معنى لفعل الوضوء لأجل الصلاة إلّا نية استباحتها ، إلّا أنّه ليس مراده ما هو مقابل لرفع الحدث ، بل هو شامل له ، لما عرفت من أنّ رفع الحدث أيضا استباحة الصلاة جزما ، وأنّ مآلهما واحد ، فهو
__________________
(١) المبسوط : ١ / ١٩.
(٢) مدارك الأحكام : ١ / ١٨٩.
![مصابيح الظلام [ ج ٣ ] مصابيح الظلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1675_masabih-alzalam-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
