فيتزايلون بالبغضاء (١) ويتلاعنون عند اللّقاء ، ثمّ يأتى بعد ذلك طالع الفتنة الرّجوف (٢) ، القاصمة الزّحوف ، فتزيغ قلوب بعد استقامة ، وتضلّ رجال بعد سلامة ، وتختلف الأهواء عند هجومها ، وتلتبس الآراء عند نجومها (٣) من أشرف لها قصمته ، ومن سعى فيها حطمته ، يتكادمون فيها تكادم الحمر فى العانة (٤) قد اضطرب معقود الحبل ، وعمى وجه الأمر ، تغيض فيها الحكمة (٥) ، وتنطق فيها الظّلمة ، وتدقّ أهل البدو بمسحلها (٦) وترضّهم بكلكلها ، يضيع فى غبارها الوحدان (٧) ويهلك فى طريقها الرّكبان ، ترد بمرّ القضاء ، وتحلب عبيط الدّماء (٨) ، وتثلم منار الدّين (٩) وتنقض عقد
__________________
وأراح ، أى : أنتن ، وقال ابن أبى الحديد : ويجوز أن تكون من «أراح البعير» أى : مات اه والأول عندى أحسن وأدق
(١) يتزايلون : يتفارقون
(٢) طالع الفتنة : مقدماتها وأوائلها ، والرجوف : شديدة الرجفان والاضطراب ، أو شديد إرجافها وزلزالها للناس ، والقاصمة : الكاسرة ، والزحوف : الشديدة الزحف
(٣) نجومها : ظهورها ، وهو مصدر «نجم الشر» أى : ظهر
(٤) يتكادمون : يعض بعضهم بعضا كما تكون الحمر فى العانة ، أى : الجماعة منها ، وهى خاصة بحمر الوحش
(٥) تغيض ـ بالغين المعجمة ـ : تنقص وتعور
(٦) المسحل ـ كمنبر ـ : المبرد أو المنحت ، والمراد بالدق التفتيت ، والرض : التهشيم. والكلكل : الصدر
(٧) الوحدان : جمع واحد ـ مثل شاب وشبان وراع ورعيان ـ أى : المتفردون ، والركبان : جمع راكب ، ولا يكون إلا صاحب بعير
(٨) عبيط الدماء : الطرى الخالص منها
(٩) ثلم الأناء والسيف أو نحوه يثلمه ـ كضربه يضربه ـ أى : كسر حرفه.
![نهج البلاغة [ ج ٢ ] نهج البلاغة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1618_nahj-al-balagha-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
