ولمّا فرغ من حمد الله والثناء عليه بما هو أهله توسّل في تحصيل مرامه بالدعاء للأرواح المقدّسة المتوسّطة بين النفوس الناقصة المنغمسة في الكدورات البشريّة ، وبين المبدإ الفيّاض المتنزّه عن شوائب النقص في استفادة العنايات والأنوار منه وإفاضتها عليها بقوله : (وصلّى الله) من الصلاة المأمور بها في قوله تعالى (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا) (١).
وكان الأحسن أن تقرن الصلاة عليه بالسلام ، كما يقتضيه ظاهر الآية ، لكنّ أصحابنا جوّزوا أن يراد بقوله (وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٢) أي : انقادوا لأمره انقياداً ، كما في قوله : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) إلى قوله (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (٣) فلذلك سهل الخطب عندهم في إفراد الصلاة عن السلام وإن احتمل أن يراد به التحيّة المخصوصة ؛ لعدم تحتّم ذلك.
والصلاة : الدعاء من الله وغيره ، لكنّها منه مجاز في الرحمة ، كما قال بعضهم. وقال آخرون : هي منه الرحمة.
ويرجّح الأوّل أنّ المجاز خير من الاشتراك ، وقوله تعالى (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (٤) فإنّ العطف يقتضي المغايرة. وربما يرد هذا على الأوّل أيضاً ، لكن يمكن دفعه بأنّ التصريح بالحقيقة بعد إرادة المجاز يفيد تقوية المدلول المجازيّ ، ولجأ بعضهم إلى أنّها من الله تعالى بمعنى الرضوان حذراً من ذلك.
والأولى في الجواب عن ذلك : المنع من اختصاص العطف بلزوم المغايرة ؛ فإنّ من أنواع «الواو» العاطفة عطف الشيء على مرادفه ، كما ذكره ابن هشام في المغني (٥). وذَكَر من شواهده قوله تعالى (أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) (٦) وقوله تعالى (إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ) (٧) ونحو (لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً) (٨) وقوله عليهالسلام : صلىاللهعليهوآله : «لِيَلِيني منكم ذوو الأحلام والنهى» (٩).
__________________
(١) الأحزاب (٣٣) : ٥٦.
(٢) الأحزاب (٣٣) : ٥٦.
(٣) النساء (٤) : ٦٥.
(٤) البقرة (٢) : ١٥٧.
(٥) مغني اللبيب ١ : ٤٦٧.
(٦) البقرة (٢) : ١٥٧.
(٧) يوسف (١٢) : ٨٦.(٨) طه (٢٠) : ١٠٧.
(٩) سنن ابن ماجة ١ : ٣١٢ ـ ٣١٣ / ٩٧٦ ؛ سنن أبي داود ١ : ١٨٠ / ٦٧٤ ؛ سنن النسائي ٢ : ٧٨ ؛ سنن الدارمي ١ : ٢٩٠ ؛ سنن البيهقي ٣ : ١٣٧ ، ذيل ح ٥١٦١ ؛ المستدرك ـ للحاكم ـ ٢ : ٨ ؛ مسند أحمد ٥ : ١٠٢ / ٦٦٥٣ باختلاف يسير.
![روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان [ ج ١ ] روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F1539_rozaljanan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
