شبّهوه بمصنوعات أيديهم ، كما لو علم هؤلاء الذين يدّعون بهتاناً وزوراً أنّهم أصحاب التوحيد الصحيح الخالي من الشرك ، أن الله لا تدركه الأوهام فضلاً عن الأبصار ، ولا يستطيع أحد أنْ يحيط به علماً ، لما أقاموا على اعتقاد أنّه جسم ليس كالأجسام ، وله وجه ليس كالوجوه ، ويدان ليستا كالأيدي ، وعينان ليستا كالأعين ، إلى غير ذلك من الترّهات التي ما انزل الله بها من سلطان.
تبرير طالما ردّده أتباع خطّ التشبيه ، وهو إجراء معاني الآيات القرآنية على ظاهرها كما وردت عليه ، وإيكال تفسيرها إلى خالقها. مع ما ركنوا إليه من اعتماد بعض الروايات التي نزع مضمونها إلى تشبيه غريب ، يجزم المطلع عليه أنه مختلق ، لم يتفوّه به النبي صلىاللهعليهوآله ، لأنّه لا يتّفق مع حقيقة الذات الألهية المقدّسة ، التي ليست جسماً بالتأكيد حتّى تكون لها جوارح كالإنسان ، ولا هي في حيّز حتّى تحتاج إلى الحركة ، من نزول ونحوه.
وطالما أنّ الله تعالى ليس بجسم ، فهو بالضرورة لا يُرى بالعين الباصرة ، ودعوى كونه جسماً ليس كالأجسام ، عارية من البرهان والإثبات ، فإمّا أنْ يكون جسماً فيكون محلاً للحوادث ، وإذا كان محلاّ للحوادث صار ممكناً ، فلا يكون خالقاً ، وإمّا لا يكون كذلك ، فيكون واجباً ليس كمثله شيء غير محتاج ولا مركّب ، وذلك هو المولى سبحانه وتعالى.
في إحدى الجُمعات ، حضرت صلاة الجمعة ،
فتحدّث الخطيب عن فضيلة ليلة الجمعة ، وذكر حديث نزول الربّ تبارك وتعالى في الثلث الأخير من ليلتها منادياً سائلاً مستفسراً ، الرواية معروفة ومتسالم على صحتها عند أتباع خطّ التشبيه والتجسيم ، لكنّني قلت في نفسي : طالما أنّ الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا
فأين يكون ؟ أفي السماء الأخيرة ؟ أم فوق السماوات جميعاً ؟ ولماذا ينزل طالما أنّه غير محتاج إلى النزول ، فهو الذي أخبر عن نفسه بقوله : (
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن
