الإمامة والتبصرة من الحيرة

أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي

الإمامة والتبصرة من الحيرة

المؤلف:

أبو الحسن علي بن الحسين بن بابويه القمي


المحقق: مدرسة الإمام المهدي « عج »
الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: مدرسة الامام المهدي « عج »
الطبعة: ١
الصفحات: ١٦٠
  نسخة غير مصححة

الأحاديث

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : الأئمة من بعدي اثنا عشر ، أولهم أنت يا علي ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله ـ تعالى ذكره ـ على يديه مشارق الأرض ومغاربها (١).

وقالت سيدة النساء عليها‌السلام : دخل إلي رسول الله (ص) عند ولادتي الحسين ... ثم قال : يا فاطمة ، خذيه [ أي الحسين (ع) ] فإنه إمام ، ابن إمام ، وأبو الأئمة ، تسعة من صلبه ، أئمة أبرار ، والتاسع قائمهم (٢).

وقال أمير المؤمنين عليه‌السلام لابنه الحسين عليه‌السلام : التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق (٣).

وقالت الزهراء عليها‌السلام : أما والله لو تركوا الحق على أهله ، واتبعوا عترة نبيه ، لما اختلف في الله اثنان ، ولورثها سلف عن سلف ، وخلف بعد خلف ، حتى يقوم قائمنا ، التاسع من ولد الحسين (٤).

وقال الإمام الحسن عليه‌السلام : ذاك التاسع من ولد أخي الحسين ، ابن

__________________

(١) كمال الدين ج ١ / ٢٨٢ ح ٣٥ ، عيون أخبار الرضا (ع) ج ١ / ٥٣ ح ٣٤ ، أمالي الصدوق ص ٩٧ ح ٩ ، عنها البحار ٣٦ / ٢٢٦ ح ١.

(٢) كفاية الأثر ص ١٩٤ وعنه البحار ٣٦ / ٣٥٠ ح ٢١٩.

(٣) كمال الدين ج ١ / ٣٠٤ ح ١٦ وعنه في البحار ٥١ / ١١٠ ح ٢.

(٤) كفاية الأثر ص ١٩٨ وعنه البحار ٣٦ / ٣٥٢ ح ٢٢٤.

١

سيدة الإماء ، يطيل الله عمره في غيبته ، ثم يظهره بقدرته (١).

وقال الإمام الحسين عليه‌السلام : منا اثنا عشر مهديا ، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي ، وهو الإمام القائم بالحق (٢).

وقال الإمام السجاد عليه‌السلام : فينا نزلت هذه الآية ( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) والإمامة في عقب الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) إلى يوم القيامة ، وإن للقائم منا غيبتين (٣).

وقال الإمام الباقر عليه‌السلام : منا اثنا عشر محدثا ، السابع من ولدي القائم (٤).

وقال الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام : الإمام من بعدي موسى ، والخلف المأمول المنتظر م ح م د ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى. (٥)

وقال الإمام الكاظم عليه‌السلام : القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله ، ويملأها عدلا كما ملئت جورا ، هو الخامس من ولدي (٦).

وقال الإمام الرضا عليه‌السلام : القائم ... ذاك الرابع من ولدي (٧).

وقال الإمام الجواد عليه‌السلام : القائم ... هو الثالث من ولدي (٨).

وقال الإمام الهادي عليه‌السلام : إن الإمام بعدي الحسن ابني ، وبعد الحسن ابنه القائم (٩).

وقال الإمام العسكري عليه‌السلام : ابني م ح م د هو الإمام والحجة بعدي ، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية (١٠).

__________________

(١) كمال الدين ج ١ / ٣١٥ ح ٢ وعنه البحار ٥١ / ١٣٢ ح ١.

(٢) كمال الدين ج ١ / ٣١٧ ح ٣ وعنه البحار ٥١ / ١٣٣ ح ٤.

(٣) كمال الدين ج ١ / ٣٢٣ ح ٨ وعنه البحار ٥١ / ١٣٤ ح ١.

(٤) اثبات الوصية ص ٢٥٩ وعنه منتخب الاثر ص ٢١٢ ح ٣.

(٥) كمال الدين ج ٢ / ٣٣٤ ح ٤ وعنه البحار ٥١ / ١٤٣ ح ٧.

(٦) كمال الدين ج ٢ / ٣٦١ ح ٥ وعنه البحار ٥١ / ١٥١ ح ٦.

(٧) كمال الدين ج ٢ / ٣٧٦ ح ٧ وعنه البحار ٥٢ / ٣٢٢ ح ٣٠.

(٨) كمال الدين ج ٢ / ٣٧٧ ح ١ وعنه البحار ٥١ / ١٥٦ ح ١.

(٩) كمال الدين ج ٢ / ٣٨٣ ح ١٠ وعنه البحار ٥٠ / ٣٣٩ ح ٤.

(١٠) كمال الدين ج ٢ / ٤٠٩ ح ٩ وعنه البحار ٥١ / ١٦٠ ح ٧.

٢

وقال الإمام الغائب المنتظر عجل الله فرجه الشريف : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن جدي محمدا رسول الله ، وأن أبي أمير المؤمنين ، ثم عد إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه ، ثم قال :

اللهم أنجز لي ما وعدتني ، وأتمم لي أمري ، وثبت وطأتي ، واملأ الأرض بي عدلا وقسطا (١).

__________________

كمال الدين ج ٢ / ٤٢٨ وعنه البحار ٥١ / ١٣.

٣

قال الله تعالى :

وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات

ليستخلفنهم فى الارض كما استخلف الذين من قبلهم

وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم

وليبد لنهم من بعد خوفهم امناً يعبدونني لايشركون بي شيئاً ....

النور /٥٥

ونريد ان نمن على الذين استضعفوا فى الارض

ونجعلهم ائمةً

ونجعلهم الوارثين

ونمكن لهم في الارض ...

القصص /٥ ، ٦

ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر

ان الارض يرثها عبادى الصالحون

ان في هذا لبلاغاً لقوم عابدين وما ارسلناك الا رحمةً للعالمين

الأنبياء /١٠٥ _ ١٠٧

٤

٥
٦

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أوجب الحمد على عباده بنعمه عندهم آنفا واستوجب منهم ـ بما وفقهم لذلك الحمد على تلك النعم ـ شكرا مستأنفا.

وسبحان من ليس معه لأحد في الآنف من النعمة ، والمستأنف من الشكر صنع في إحداث موهبة ، ولا في إلهام شكر ، بل برأفته أولى النعم ، وبتحننه ألهم الشكر ، وبتفضله بسط في ذلك كله التوفيق ، وبحكمته أرشد إلى الهدى ، وبعدل قضائه لم يجعل ( فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) ، ولم يدع إليه بسبيل غامض ( ولو بان الدال ) (١) عليه عن الكلام المتداول على الألسنة ، بينونته ـ جل ثناؤه ـ عن عباده ، لحارت الأسماع عن إصغائه ، وتاهت الأفئدة عن بلوغه ، وغربت الأفهام عن حمله غروبها عن كيفية الله ـ جلت أسماؤه ـ.

والحمد لله الذي كان من لطيف صنعه وانفاذ حكمته أن لم يحمل علينا في ذلك إصرا ، وجعل سفيره ـ فيما دعا إليه ـ خيرته من خلقه محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وبين منه ـ في أيام الدعوة ، وقبل حدوث النبوة وإظهار الرسالة ـ عناصر طيبة وأعراقا طاهرة وشيما مرضية (٢).

__________________

(١) ما بين المعقوفين زدناه تصحيحا للعبارة ، وكان موضعه بياض في نسخة ( ب ) ، أما نسخة ( أ ) ففيها : ولم يدع اليه سبيل غامض عليه من الكلام.

(٢) في ( ب ) : وسيما مرضية.

٧

وجعله المقتدى به في مكارم الأخلاق ، والمشار إليه بمجانبة الأعراض التي تمنع التقديم والتأخير ، وتحجزت بالتقديس والتفضيل ، حتى دعانا إلى الله جل جلاله بكلام مفهوم ، وكتاب عزيز ( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (٣).

فجعل الداعي منزها عن دنية تحجزه عن قول معروف ، ومصونا بالعصمة عن أن ينهى عن خلق ويأتي بمثله ، والرسالة مباينة عن أن يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها.

ومن على خلقه أن جعل الداعي معهودا بالمجاورة ، والدعوة مشهورة بالمجاورة ، وأوكد في ذلك على عباده الحجة أن دعا إلى حق لا يجمع مختلفين ولا يضم إلا متفقين.

وجعل عباده ـ على اختلاف هممهم واتساع خلائقهم ـ بمعزل عن السبيل التي ( لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ ، لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَ ) (٤) ومباينة من الحالة التي يملكون فيها لأنفسهم نفعا أو ضرا ، وأوكل عجزهم (٥) ، وضعف آرائهم إلى أئمة أصفياء ، وحفظة أتقياء ، عن الله يبلغون ، واليه يدعون ، وبما يأمرون به من الخيرات يعملون ، وعما ينهون عنه ينتهون ( وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى ، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (٦).

فالحمد لله على جميع هذه النعم الحسنة ، حمدا يؤدى به الحق ، ويستجلب به المزيد.

وصلى الله على محمد وآله صلاة ترفع إليه وتزكو عنده ، وتدل على اشتمال الثبات ، واستقرار الطويات على أنهم لله علينا حجة ، وإليه لنا قادة وعليه ـ تبارك اسمه ـ أدلة ، وفي دينه القيم شريعة وسالفة ، وأن كلمتهم لا تبطل وحجتهم لا تدحض ، وعددهم لا يختلف ، ونسبهم لا ينقطع ، حتى يرث الله ـ جل جلاله

__________________

(٣) اقتباس من الآية (٤٢) من سورة فصلت ٤١.

(٤) اقتباس من الآية (٧١) من سورة المؤمنون ٢٣.

(٥) هذا هو الظاهر وكان في ( أ ) : وأكل عجز لهم ، وفي ( ب ) : وأكل عجزهم وضعفهم.

(٦) اقتباس من الآية (٢٨) من سورة الأنبياء ٢١.

٨

( الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها ) وهو ( خَيْرُ الْوارِثِينَ ) ، ويظهرهم ( عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ).

« قال الشيخ ابو الحسن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه الفقيه رحمه‌الله » (٧).

اني لما بذلت فيما أخلدت من الكتب وسعي ، وأخرجت فيما لزمنى من ذلك جهدي ، وجدت الصلاة تجمع حدودا كثيرة ، والصوم يشمل امورا وافرة والزكاة تضم معاني مختلفة ، والحج يحوي مناسك جمة.

ووجدت حمل هذه الأشياء الجليلة ، وملابسة هذا الدين القيم ، وتبصرة ما ذكرت من هذه الأحوال ، لا تنال إلا بسابقة إليه وإمام يدل عليه ، وأن من هداه الله لذلك ارتشد سبيله وانتفع بعلمه وعمله ، ومن أضله أضل سبيله وحبط عمله ، و ( خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ).

وعلمت أن الامامة حال بها يدرك حدود الصلاة ، وشرائع الصوم ، ومعاني الزكاة ، ومناسك الحج.

ورأيتها أجل عروة محكمة ، وأوثق سبيل منهجة.

ورأيت كثيرا ممن صح عقده ، وثبتت على دين الله وطأته ، وظهرت في الله خشيته ، قد أحادته الغيبة ، وطال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة ، وأفكرته (٨) الأخبار المختلفة ، والآثار الواردة ، فجمعت أخبارا تكشف الحيرة وتجسم النعمة (٩) وتنبئ عن العدد ، وتؤنس من وحشة طول الأمد.

وبالله للصواب أرتشد ، وعلى صالح القول أستعين ، واياه أسأل أن يحرس الحق ويحفظه على أهله ، ويصون مستقره ومستودعه.

« أسباب اختلاف الروايات وموجبات الحيرة والاشتباه »

فلأجل الحاجة إلى الغيبة اتسعت الأخبار ، ولمعاني التقية والمدافعة عن. الأنفس اختلفت الروايات ( وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ )

__________________

(٧) هذا السطر من راوي الكتاب كما هو ظاهر.

(٨) في هامش ( أ ) : وأنكرته.

(٩) هذا ظاهر ( أ ) وفي ( ب ) تجسم الغمة.

٩

(١٠).

ولولا التقية والخوف ، لما حار أحد ، ولا اختلف اثنان ، ولا خرج شيء من معالم دين الله ـ تعالى ـ إلا على كلمة لا تختلف وحرف لا يشتبه.

ولكن الله ـ عظمت أسماؤه ـ عهد إلى أئمة الهدى في حفظ الأمة ، وجعلهم في زمن مأذون لهم باذاعة العلم ، وفي آخر حلماء ( يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (١١).

عظم هذا من أمر وجل! ولأمر ما وقع وحل!.

وغير عجب أن يحدث في مثله من الأوقات خبر يحمي خيط الرقبة (١٢). ويحرس بفضل المداراة جمهور البيضة.

وفي مثل هذا الزمن خولف الأمر في العدد ، حتى أوقع في الظاهر أمر ما لا خلاف في استبطانه ، وكشف عن سبب لا شك في كتمانه.

وليست إشارة مشهورة واذاعة بينة أن يقول ولي من أولياء الله وثقة من خزان أسرار الله أن صاحب هذا الأمر أثبت (١٣) مني ، وأخف ركابا.

هذا ، مع الروايات المشهورة والأحاديث الكثيرة : أن الوقت غير معلوم ، والزمن غير معروف ،

ولولا كتمان الوقت والمساترة به ، لما استدل عليه بالصحيحة (١٤) ، والآيات وخروج رايات أهل الضلالات ،

ولقيل : إنه فلان بن فلان ، وإن يومه يوم معلوم بين الأيام ،

ولكن الله ـ جل اسمه ـ جعله أمرا منتظرا في كل حين ، وحالا مرجوة عند كل أهل عصر ،

__________________

(١٠) من الآية (١١٥) سورة التوبة ٩.

(١١) من الآية (١٤) سورة الجاثية ٤٥.

(١٢) هذا هو الظاهر ، وكان في النسختين : حيط ، بالحاء المهملة.

(١٣) في ( ب ) : أشب.

(١٤) هذا هو الظاهر ، وكان في النسختين : الصحة.

١٠

لئلا تقسو ـ بطول أجل يضربه الله ـ قلوب ،

ويستبطأ (١٥) في استعمال سيئة وفاحشة ، وموعدة عقاب ،

وليكون كل عامل على أهبة ،

ويكون من وراء أعمال الخيرات أمنية ، ومن وراء أهل الخطايا والسيئات خشية وردعة ،

وليدفع الله بعضا ببعض ،

والسنة القديمة على هذا قول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في أمر الساعة حين أنذر قومه : صبحتكم الساعة ، مستكم الساعة ، بعثت أنا والساعة كهذه من هذه (١٦).

فلولا ما أراد من المدافعة وتقريب المدة على عامل الخير والشر والثواب والعقاب ، لعلم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن ما جرت إليه الامة الضالة دون وقوع الساعة ، وأن ما وعده الله في أهل بيته من اظهارهم على الدين كله قبل حدوثها يكون.

وعلى هذا مضت الرسل ، ودرج الأخيار ، كل يقرب القيامة ، ويدني الساعة ، ويبشر بسرعة المجازاة على العقاب والثواب.

ولو كان الخبر عن كل شيء بحقيقته مقدما ، والأجل في كل مدة مضروبا ممهدا ، لكان حق الرسالة وفرض البلاغة على عيسى عليه‌السلام أن يأمر من يعلم أنه يبلغ زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقتصر على ما يعهده في أيامه ، ثقة بأن شريعته تنسخ الشرايع ، وعلما بأنه خير النبيين وسيد المرسلين.

ولاقترف أهل كل فترة ذنوبا عظيمة وجرايح كثيرة ، ولكنهم كانوا على اقتراب من انتظار عقاب أو ثواب وبذلك دفع الله الناس بعضهم ببعض.

وهذه السنة في الأئمة عليهم‌السلام مستعملة ، وعلى أيامهم جارية ، وفيهم قائمة.

ولو كان أمرهم مهملا عن العدد وغفلا ، لما وردت الأخبار الوافرة بأخذ الله

__________________

(١٥) فيهما : يستبطئ.

(١٦) اقتباس من البحار ج ٢ ص ٣٠١ ح ٣.

١١

ميثاقهم على الأنبياء وسالف الصالحين من الأمة.

ويدلك على ذلك قول أبي عبد الله عليه‌السلام حين سئل عن نوح عليه‌السلام لما ذكر « استوت سفينته على الجودي بهم » :

هل عرف نوح عددهم؟

فقال : نعم ، وآدم عليه‌السلام (١٧).

وكيف يختلف عدد ، يعرفه أبو البشر ومن درج من عترته والأنبياء من عقبه ، على شرذمة من ذريته وبقية يسيرة من ولده؟!

وأي تأويل يدخل على حديث اللوح (١٨).

وحديث الصحيفة المختومة (١٩)؟

والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة عليها‌السلام (٢٠)؟

وكيف لا يعلم : أن الذي قال [ ه‍ ] العالم عليه‌السلام : ستة أيام ، أو ستة أشهر أو ست سنين ، غير معلوم؟! (٢١)

__________________

(١٧) ومثله ما ورد عن منصور بن حازم أنه قال لأبي عبد الله (ع) : أكان رسول الله (ص) يعرف الأئمة (ع)؟ فقال نعم ، ونوح ، البحار ٣٨ / ٤٥.

(١٨) حديث اللوح : حديث طويل ، مضمونه أن جابر بن عبد الله الأنصاري عاد الزهراء فاطمة عليها‌السلام فرأى في يدها لوحا فيه : أن البارئ أهداه إلى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد سجل فيه أسماء الرسول والزهراء والأئمة الإثني عشر من بعده. الكافي ج ١ ص ٥٢٧ ح ٣.

رواه المؤلف بسنده ، وقد نقل الصدوق نصه الكامل برواية أبيه في الباب (٢٨) من اكمال الدين : ٣٠٨ ح ١ ، ورواه النعماني في الغيبة ( ص ٢٩ ) والمفيد في الإختصاص ( ص ٢٠٥ ).

ونقل في بحار الأنوار ( ج ٣٦ ) ص (١٩٥) عنهم وعن العيون ١ / ٣٤ ح ٢ وغيبة الطوسي : ص ٩٣ والاحتجاج : ١ / ٨٤ ويأتي بتمامه عن هذه الكتب في المستدرك ص ٩٣.

(١٩) حديث الصحيفة المختومة : رواه المؤلف في هذا الكتاب الباب (٣) وقد ذكرنا له شواهد ، فراجع الحديث ٢٠ وتخريجاته.

(٢٠) صحيفة فاطمة ، أو مصحف فاطمة ، أو كتاب فاطمة ، ورد التعبير بكل ذلك عن كتاب ينسب إليها سلام الله عليها كان عند الأئمة ، وردت فيه أسماء من يملك من الملوك.

وقد ورد ذكره في رواية للمؤلف في هذا الكتاب ، الباب (٣) فراجع الحديث (٢٠) مع شواهده وتخريجاته.

(٢١) روى الكليني بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال في حديث طويل عن المهدي :

١٢

ومن غير شك : يجوز أن أمرا لا يمتنع أن يجوز وقته من ستة أيام إلى ستة أشهر ، ومن ستة أشهر إلى ست سنين ، غير ممتنع أن يجوز إلى سنين.

وهل هذا مفهوم؟

فان كان عليه‌السلام أراد تسمية الوقت ، فقد علم أنه لم يسم.

وإن أراد الإغماض منه (٢٢) فغير عجب أن يغمضه بأشد ما يقدر عليه ، ويستر عنه بأجهد ما يمكنه ، لأن أمرا يخبر عنه من يوثق بعلمه بالشك بين ستة أيام أو ست سنين ، لا يراد به غير المغامضة والستر.

__________________

قلت : يا أمير المؤمنين ، وكم تكون الحيرة والغيبة؟

قال : ستة أيام ، أو ستة أشهر ، أو ست سنين ... اصول الكافي ( ١ / ٣٣٨ ) واثبات الوصية ص ٢٦٠ ، لكن رواه الصدوق بأسانيد عديدة منها عن أبيه ( المؤلف ) ، ولم يرد فيه هذا السؤال والجواب ، لاحظ اكمال الدين ( ٢٨٨ ح ١ ).

ورواه النعماني في الغيبة (٢٩) عن الكليني بسنده الى الأصبغ ، إلا أن الجواب فيه هكذا : قال : سبت من الدهر.

وقول المؤلف فيما يلي « لأن أمرا يخبر عنه ... بالشك بين ستة أيام أو ست سنين » يدل على أن روايته للحديث كانت محتوية على عبارة تفيد الشك والترديد ، وانما وقع الخلل في النقل عنه.

هذا ، وقد ورد هذا الترديد في رواية عن الإمام السجاد عليه‌السلام :

روى الصدوق في الإكمال قال :

حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني رضي‌الله‌عنه ، قال : حدثنا محمد بن يعقوب الكليني ، قال : حدثنا القاسم بن العلاء ، قال : حدثني إسماعيل بن علي القزويني ، قال : حدثني علي بن إسماعيل ، عن عاصم بن حميد الحناط ، عن محمد بن قيس ، عن ثابت الثمالي

عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، أنه قال : فينا نزلت هذه الآية : ( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) الاحزاب آية / ٦.

وفينا نزلت هذه الآية : ( وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ ) الزخرف آية / ٢٨.

والإمامة في عقب الحسين عليه‌السلام إلى يوم القيامة :

وإن للقائم منا غيبتين ، أحدهما أطول من الاخرى :

أما الاولى : فستة أيام ، أو ستة أشهر ، أو ست سنين.

وأما الاخرى : فيطول أمدها ، حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به ، فلا يثبت عليه إلا من قوى يقينه ، وصحت معرفته ولم يجد في نفسه حرجا مما قضيناه ، وسلم لنا أهل البيت. اكمال الدين ص ٣٢٣ ح ٨.

(٢٢) في ( ب ) : عنه.

١٣

ولو لا إقحام السؤال عليهم في أوقات غير مسهلة للجواب ، لما خرج حكم إلا على حقيقته ، ولا كلام إلا على جهته.

فأما قوله عليه‌السلام : إن صاحب هذا الأمر ابن ثلاثين سنة ، أو إحدى وثلاثين سنة ، أو أربعين سنة ، فان جاز الأربعين فليس بصاحب هذا الأمر.

فانه لمعنى المدافعة عن الأنفس ، وليتيقن (٢٤) من لا يشك في إمامة من يحدث بهذا الحديث من أعدائه : أنه ليس بصاحب السيف فيلهو عنه ويشتغل عن طلبه.

ويدلك على هذا قوله : يملك السابع من ولد الخامس ، حتى يملأها عدلا كما ملئت جورا (٢٥).

ولو كان صاحب هذا الأمر لا يجوز أن يجوز أربعين سنة ، لما جاز لأحد من الأئمة عليهم‌السلام أن تصلح له الإمامة فوق الأربعين ،

لأن الإمامة شأن واحد في القيام بالعلم والسيف ،

وما كان الله ليجعل هذا الأمر العظيم في رجل يختاره ، ثم ينزعه عنه لمعنى السن.

ولو طويت ما نطقت به من هذا التأويل على هذا الخبر ، لكان فيما يتأوله من يتعلق به للرد أقنع حجة وأبلغ دفعا ، لأن الذي يروي هذا الحديث يتأول : أن امتناع القيام بعد الأربعين سنة من طريق النكير في العقول.

وأعوذ بالله أن أقول : إنهم صلوات الله عليهم بمنزلة سائر الناس ، وإن عقولهم مما يدخلها الفساد في الأربعين وما فوقها.

__________________

(٢٤) في ( أ ) : ليتبعن.

(٢٥) قال الصادق (ع) في المهدي (ع) : الخامس من ولد السابع رواه المؤلف بسنده وعنه ابنه في اكمال الدين ص ٣٣٨ ح ١٢.

وعن الكاظم قوله : اذا فقد الخامس من ولد السابع. رواه الكليني في الكافي ج ١ ص ٣٣٦ والنعماني في الغيبة ص ٧٨ والمؤلف بسنده كما في الإكمال ص ٣٥٩ والمسعودي في إثبات الوصية ص ٢٥٥ نعم روى المسعودى حديثا عن الباقر (ع) قال فيه : القائم : السابع بعدي. اثبات الوصية ص ٢٥٩.

١٤

والأسوة برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حسنة ، وهو سيد النبيين والأئمة الراشدين ، وحين أناف على الأربعين نبي ، وبعدها بسنين أظهر الدعوة.

فأما أمر موسى عليه‌السلام ، وقوله : إنه لا يموت حتى يملأها عدلا كما ملئت جورا ،

فان ذلك قاله عند شدة الطلب وقسوة القلوب ، ليقرب المدة ، ويردع الظلمة.

والحجة ، فيمن قال بالوقف عليه ، قد استقصيت بصحيح الأخبار في باب إمامته.

وإنما أردت بذكر هذا الحديث ايراد قوله : « بدا لله فيما قلت » لأنه خرج في أيام فلان حين اشتد الطلب والخوف ، حتى وقع بعد هذا الحديث من الغيبة والاختفاء ما اتصل بهذا العهد وبلغ هذه المدة ، وما كان الله ليبدو له في إمام تسمية ولا خروجا.

وما أفرق ـ بعد قولي : إن الإمامة أحد الشرائع الخمسة ـ بين من يقول بالبداء فيها بالعدد والتسمية ، وبين من يقول بالبداء في الصلاة والصوم وسائر الشرائع الأربعة.

لأن مخرج الأربعة من الواحدة ، وهي الإمامة ، فإن جاز أن ينسخ الله أصل الشرائع ، جاز أن ينسخ فرعها.

وأعوذ بالله أن أقول بنسخ شريعة وتبديل ملة ، بعد أن جعل الله محمدا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم خاتم النبيين ، وشريعته خاتمة الشرائع ، وواصل القيام على دينه وشريعته بقيام الساعة ، والانتقال منها إلى محشر القيامة فأما الوقت :

فالسنة (٢٦) فيه الكتمان ، والشريعة فيه الإمساك عن الإعلان.

ومما يدل على التقية ويرشد إلى (٢٧) أن الأخبار الكثيرة وردت لعلة ما : قوله عليه‌السلام : « بدا لله في إسماعيل » (٢٨).

__________________

(٢٦) كلمة ( إلى ) ليست في ( أ ).

(٢٧) في ( ب ) : فإن السنة.

(٢٨) رواه الصدوق في التوحيد ( ص ٣٣٦ ) مرسلا عن الصادق (ع) قال : ( ما بدا لله بداء كما بدا في إسماعيل ابني ) وقال بعده : وقد روي لي من طريق أبي الحسين الأسدي رضي‌الله‌عنه في ذلك شيء

١٥

فكيف الحجة الآن في آدم عليه‌السلام أنه حفظ أسماءهم؟

وما القول في أمر نوح أنه علم عددهم؟ (٢٩)

وكيف يثبت أن الله ـ عز وجل ـ أخذ على الامة كلها عهدهم ، وهو ينسخ أمرهم ، ويبدو له في أسمائهم؟.

وبأي دليل يدفع أمر اللوح؟

فأخبار الأظلة ، والآثار الواردة أن الله خلقهم قبل الأمم ،

وما كان الله ليأخذ مولى من أوليائه على قوم ، ثم يبدو له في ذلك وقد قبض إليه منهم العدد الكثير ، إذ هو الحق أن لا يحاسب إلا بحجة ، ولا يعذب إلا بحقيقة بلاغ.

وحاش لله أن يجعل خلفاء في عباده من ينقض أمرهم ويبدل سنتهم وتكون حكمته ـ سبحانه ـ بمحل يرشح رجلا لحفظ بيضة المسلمين فيكون بمنزلة ينحى عنها قبل انقضاء أجله وبلوغ مدته ، أو يجعله بمحل من يحدث في عقله الفساد لبلوغه أقصى العمر وأبعد السن ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

والحجة على هذا القول ، مثل الحجة على تسميته :

فسمى إماما ، ولما هو ، وأظهر القول فيه بالبداء لمثله ، أو جعل البداء لمعنى معارضة في موت أو غم أو رزق أو أجل.

والإمامة لا تغير ، والنسب لا ينقطع ، والعدد لا يزيد ولا ينقص.

فان قال قائل : إن الذي انتهى إليه الوقت في الغيبة غاية عمر أهل الدهر ، ونهاية سن خلق هذا العصر ، وان الآيات قبله لم تظهر ، والدلالات المذكورة بين يديه لم تحدث؟!

فهلا يقول بالبداء في هذه الدلالات ، ويحتج بنسخها ، ذا هو جائز عنده

__________________

غريب ، ثم ذكر الحديث ورواه عنه في البحار ( ٤ ص ١٠٩ ).

(٢٩) مر ذكر علم نوح عليه‌السلام عدد الأئمة عليهم‌السلام.

١٦

أن يبدو لله في إمام ، فان ذلك أولى وأحق.

وستجده (٣٠) أكثر من يمتنع من هذا ، ويحتج بأنها من المحتوم!

فكيف يجعل هذه الدلالات مما ( لا ) (٣١) يبدو لله فيها ، لانها من المحتوم ، ويقول بالبداء في الإمامة ولا يشك أنها من المحتوم؟!

وكيف لا يتخذ الحجة في ذلك : أن الله ـ جل اسمه ـ يعفو عن عباده فيما يتوعدهم به من عقاب وعذاب محتوما كان ذلك منه أو موقوفا.

فلا يبدو له في وعد خير صغيرا كان أو كبيرا ، حتى تسلم له المدة ويقرب الله عليه الوقت ، ويكفيه أمر الوحشة لطول الغيبة.

وإن (٣٢) ترك هذه العلة في الوقت ، وقال بالعمر : أنه لا يجوز عمر متأخر على عمر متقدم؟! فالخبر شائع أن عمر أبي عبد الله عليه‌السلام أوفى على عمر من تقدمه.

وكلما جاز أن يكون في واحد ، هو جائز أن يكون في آخر ، لا سيما إذا لم يكن ذلك مما يفسد شريعة أو يبطل سنة.

وعسى أن يعتصم بعد هذه الأحوال مقصر بالتسليم ، فيقول :

إنه واجب استعماله في الأخبار كلها ، ويكره التفقه ، ويرفض القصد فيقول : وردت الأخبار ، ولزم القبول ووجب التسليم.

ويجعل الولي في ذلك بمنزلة العدو ، فيوجب على أولياء الله استعمال خبر خرج من العلماء عن تقية لأعداء الله.

ولا يعلم أن المجتهد في العمل أفضل من المتكل على الأماني.

ويجهل قول أمير المؤمنين عليه‌السلام : اللهم إنك تعلم أنه ما ورد علي أمران أحدهما لك رضا ، والآخر لي هوى ، إلا آثرت رضاك على هواي.

__________________

(٣٠) في ( أ ). ستجدها ، و ( ب ) ستجد.

(٣١) كلمة ( لا ) لم ترد في النسختين ، لكن تصحيح المطلب يقتضيها.

(٣٢) في ( أ ) : وإلا.

١٧

وهذا بعيد من هذا النمط ؛ وعميق من القول في هذا الموضع ، لكن لطيف النظر يذهب إليه ، ودقيق الفكر يوجب أنه إذا لزم الإيثار في امرين كلاهما حق ، لفضل رضا الله على هوى ولي من أوليائه.

إن استعمال الإيثار في خبر ورد لمكان حجة ، واستعبار واجب على خبر وقع لمعنى تقية ومكان مدافعة.

جعلنا الله ممن يبصر رشده ، ويهتدي سننه ، ويجتهد في الدين بلغته ويبذل فيه طاقته ، ويخشاه حق خشيته ، ويراقبه مراقبة أهل طاعته ، ويرغب في ثوابه ويخاف معاده ، وختم أعمالنا بالسعادة والزلفى الحسنة.

وقد بينت الأخبار التي ذكرتها من طريق العدد ، وكل ما وقع في عصر إمام من اشارة إلى رجل ، أو دعاية (٣٥) منه بغير حق ، واستحالة مجاوزة العدد وتبديل الأسماء ، بصحيح الأخبار عن الأئمة الهادين عليهم‌السلام.

متوكلا على الله تعالى ، ومستغفرا من التقصير ، ومستعيذا به سبحانه أن أريد ـ بما تكلفته ـ إلا الاصلاح ( وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ، وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ).

__________________

(٣٥) كذا ظاهرا ، والمراد أو إدعاء منه ، وكان في النسختين : أودعته.

١٨

الامامة والتبصرة

١٩
٢٠