🚘

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٨

جواد شبّر

أدب الطّف أو شعراء الحسين عليه السلام - ج ٨

المؤلف:

جواد شبّر


الموضوع : الشعر والأدب
الناشر: دار المرتضى
🚘 نسخة غير مصححة

عاهدوه على الوفاء وعافوا

دونه الأهل والداً ووليدا

وانثنوا للوغى سواغب اسد

قد تراءت من النعام برودا

والتقى جيشهم بقوة بأس

ثابت يرهق الجبال الميدا

مستميتين يلتقون المنايا

مثل لقياهم الحسان الغيدا

لا ترى منهم سوى كل ندب

أريحيٍّ يرى الملاحم عيدا

وتقيٍ سميدع لوذعيٍ

فاضل يخجل السحائب جودا

لست أنساهم ونار الوغى لم

تفتَ تذكو على الكماة وقودا

كلهم يصطلى لظاها إلى أن

غادرتهم على الصعيد خمودا

لهف نفسي لقطب دائرة الأكوان

إذ صار للطغاة فريدا

حرّ قلبي لصحبه مذ رأهم

كالأضاحي على التراب رقودا

فاتكى بينهم على قائم

السيف وناداهم وليس مفيدا

أأحباي ما لكم قد هجرتم

لي وواصلتم ثرى وصعيدا

لمَ صيرتم التراب وساداً

وافترشتم صحاصحا وكديدا

هل سئمتم لصحبتي أم سقاكم

طارق الحتف من رداء ورودا

ومضى للوغى يدير رحاها

بيد لم تزل تدير الوجودا

يلتقيها بهمة لو أرادت

طوت الدهر غيبة وشهودا

مستطيلاً عليهم والعفرنى

ليس يخشى وقد أهاج القرودا

لم يزل بالسنان يفري كبودا

وبماضي الشبا يقدّ قدودا

وإذا بالنداء من حضرة القدس

ـ الينا تجد مقاما حميدا

فرماه الدعيّ شلّت يداه

عيطلا للهدى أصاب وريدا

فهوى للصعيد ملقى ولكن

نال في المجد في الهويّ صعودا

يا مليك الأقدار والسيد المسدي

إلى الخلق والعباد الجودا

عجباً للمهاد والشهب والسبع

السماوات مذ غدوت فقيدا

٨١

كيف قرّت بأهلها واستنارت

واستقامت وقد فقدن العميدا

لست أنسى العليل في الأرض ملقى

ناحل الجسم لا يطيق القعود

بأبي بل وبي اقيه البلايا

ضارعاً مبتلى يعاني القيودا

كم أراد العدا به الحتف لكن

حفظ الله في بقاه الوجودا

حيث لولا بقاه في الأرض عادت

نقطة الكائنات بالعدم عودا

حوله من نسائه ثاكلات

بمقام تسيء فيه الحسودا

يتجاوبن بالمناح كأن قد

علّم الورق نوحها التغريدا

من ثكول تبثّ شكوى لثكلى

وولود تنوح حزناً وليدا

بينها زينب الفجائع ولهى

غادرالحزن قلبها مقدودا

تكتم الحزن من حياء فتبديه

دموع تخدّ منها الخدودا

تنظر السبط بالعرا ونساها

في السبا لم تجد ولياً ودودا

وعليلا بأسره ، وخباها

صار نهباً وللحريق وقودا

واليتامى بربقة الأسر غرثى

قد أذاب الضماء منها الكبودا

أيها الراكب المجد بحرف

ما لوت عن بلوغها القصد جيدا

قف لك الخير ساعة وتحمّل

لي شكوى وسر بها لي بريدا

وامض حثاً إلى الغرى ففيه

أصيد صاد بالفخار الصيدا

وإذا مان حللت ناديه سلّم

وبه ناد لا تخف تفنيدا

يا عليّ الفخار والفارس

المغوار لا هائباً ولا رعديدا

عظّم الله في الحسين لك الأجر

فقد مات مستظاما شهيدا

أدركت منه وترها آل حرب

حيث أشفت أظغانها والحقودا

قتلوه بغيّهم واستحلوا

فيه لله حرمة وحدودا

قطعوا رأسه الشريف وعلّوه

سنانا مثقفا أملودا

حوله من رؤوس أبنائك الغر

نجوما تعلو العوالي الميدا

٨٢

يتهادى أمامها مثل بدر

التمّ يتلو بها الكتابَ المجيدا

والعوادي بجسمه تتعادى

فوجت منه صدره المحمودا

يا لها العقر ما درت أيّ جسم

تركته بوطئها مهدودا

ومعرّىً على الثرى ألبسته

شفر البيض والرياح برودا

ونساه على النجائب مهما

تُطوَ بيدٌ بها تقابل بيدا

معجلات بهن لابن زياد

ويزيد أسرى تحاكى العبيدا

يا لها نكبة إلى الحشر لم يبلَ

الجديدان من جواها جديدا (١)

* * *

هو عبد الله بن علي من شعراء القرن الرابع عشر. ترجم له صاحب أنوار البدرين في شعراء الاحساء فقال : هو من ادبائها الكاملين الخيرين الشيخ عبد الله بن علي الاحسائي رحمه‌الله ، كان من الأخيار الأتقياء الأبرار ومن شعراء أهل البيت الأطهار عليهم‌السلام ، له ديوان شعر في مجلدين أو أكثر ، وله قصيدة هائية جارى بها ملحمة الملا كاظم الأزري تبلغ ثلاثة آلاف بيت عدّد فيها مواقف أهل البيت في المغازي وذكر فضائلهم ، وأكثر أشعاره في مراثي الحسين عليه‌السلام وأنصاره. كان من المعاصرين ، توفي رحمه‌الله في سيهات ( قرية من قرى القطيف ) وصلى عليه شيخنا العلامة. ومن شعره في رثاء الإمام الحسين (ع) :

الا بأبي أفدي الغريب الذي قضى

وما بلّ منه بالورود أوامُ

غداة عليه جاش في طف كربلا

لهم جيش بغيٍ كالخضم لهام

__________________

١ ـ هذه القصيدة واخرى مطلعها :

برغم العلى يا بن النبيين تغتدي

ثلاث ليال لا تُوارى بساتر

رواهما الشيخ حسين الشيخ علي البلادي البحراني في ( رياض المدح والرثاء ) وقال : للتقي الأواه الشيخ عبدالله القاري الاحسائي.

٨٣

وذادوه عن ورد الفرات وما دروا

بأن نداه للوجود قوام

وراموه قسراً أن يضام بسلمه

يزيد وهل رب الأباء يضام

فهبّ للقياهم وجرّد عزمة

لها الحتف عبدٌ والقضاء غلام

وقابلهم من نفسه بكتائب

عليهم بها كادت تقوم قيام

وثارت لديه غلمة مضرية

لها بقراع الدارعين غرام

اسود لها البيض المواضي براثنٌ

كما أن لها السمر اللدان أُجام

تهش إلى الحرب العوان كأنها

به البيض بيض والدماء مدام

وسمر العوالي إذ تاوّد عطفها

قيان ونقع الصافنات خيام

لهم لفنا الهيجا ابتدار كأنهم

خماص حداها للورود هيام

يخوضون تيار الحمام ضواميا

وقد شبّ للحرب العوان ضرام

حماة أياديها شواظ لمعتد

ولكنها للسائلين غمام

تفرّ الأعادي خيفة من لقائهم

كما فرّ من خوف البزاة حمام

إذا ركعت في الدارعين سيوفهم

سجدن لها الهامات وهي قيام

إلى أن اريقت في الصعاد دماؤهم

وفاجأهم بالمرهفات حمام

وخروا على عفر التراب كأنهم

بدور هوت في الترب وهي تمام

وآب فتى العلياء وابن زعيمها

له عن حماه في الطعان صدام

فريد ونبل القوم من كل وجهة

اليه فرادى رشقها وتُوام

إلى أن يقول :

فيا عجباً للدهر يسقيك حتفه

ولولاك منه ما استقام نظام

ولم لا هوت فوق البسيط سماؤها

وأنت لها يا بن الوصي دعام

وللأرض لم قرّت وأنت اشمتها

وقد هدّ منه بالعراء شمام

وتقضي بجنب النهر ظام ولم تزل

بجدواك تستجدي الفيوض أنام

٨٤

فيا فلك العلياء كيف تحملت

قواك وهادٌ للثرى واكام

برغم المعالي أن تظل على الثرى

تريب المحيا قد كساك رغام

وتترك في حرّ الظهيرة ثاويا

يسومك من لفح الهجير سوام

وفي الحصون المنيعة للشيخ علي كاشف الغطاء رحمة الله عليه في الجزء الثاني منه صفحة ١٦٨ ذكر مرثية أخرى رثى بها الإمام الحسين (ع) وأولها :

حتى مَ قلبكِ لا يرقّ لشاك

ويعود ممنوحاً بوصل لقاك

* * *

٨٥

الشيخ جابر الكاظمي

المتوفى ١٣١٢

قال يرثي الحسين (ع) :

عفت فهي من أهلها بلقع

ولم يبق لي عندها مطمع

لقد قلّص الظل عن روضها

وقوّض عن أرضها المجمع

تخاطب أطلالها ضلّة

وليس لها اذن تسمع

أتطمع من مربع أن يجيب

سؤالاً وهل جاوب المربع

وأين لذي خرس منطق

وأين لذي صمم مسمع

وليس بها غير رجع الصدا

يردّ لك القول أو يرجع

وتأمل منها شفاء الغليل

ولم تشف غلّتها الادمع

أما علم المصطفى بعده

بنو الكفرما بهم أوقعوا

تضيع ودائعه بينهم

وطيب شذاه بهم مودع

واسرته في أكفّ العدا

اسارى لأهل الخنا تضرع

تراهم لهم رنة في الدجى

تكاد الرواسي لها تصدع

ونوح يذيب الصفا شجوه

كنوح الحمائم إذ تسجع

ألا يا مذيق الحمام الهوان

ويا أيها البطل الأنزع

أتسبى نساؤكم جهرة

ومنها براقعها تنزع

وتهشم أضلاعها بالسياط

وهاماتها بالقنا تقرع

٨٦

ولا تدفع الضيم عنها ولا

تكف يد الظلم أو تمنع

فأجسادهم ملعب للجياد

وأكبادهم للضبامرتع

فيا سروات بني غالب

وعدنان شكوى شجىً فاسمعوا

فلا حملتكم متون الجياد

ولا ضمّ جمعكم مجمع

ألا فانهضوا بعد هذا الثوى

وثوروا بثاركم واسرعوا

أيقتل سبط الهدى ضاميا

ومن كفه عيلمٌ مترع

ويمسى محيطاً به ضرّه

وفي ذكره الضرّ يستدفع

مصابٌ له الشمس إذ كوّرت

تداعى له الفلك الأرفع

مصاب له الأرض إذ زلزلت

يضعضع أركانها الأربع

فيا لمصاب يراع الندا

له وفؤاد الهدى يصدع

يشلّ بها ساعد المكرمات

وأنف المعالي به يجدع

الأقل لرواد روض الندا

رويداً ذوى غصنه فارجعوا

* * *

الشيخ جابر الكاظمي ، ولد بالكاظمية سنة ١٢٢٢ ونشأ بها وتولع بدراسة الأدب ولازم مجالس الشعراء ومساجلتهم ، وكان من طفولته مليح النكتة حاضر البديهة سريع الجواب حتى لقب في أواسط عمره ب‍ ( أبي النوادر ) حفظ أكثر شعر العرب وكان ينشده ويجيد انشاده ، ويعتز بنسبه ويتغنى بمجد آبائه ، وسلسلة نسبه يذكرها الأعرجي في ( مناهل الضرب في انساب العرب ) ومن شعره قوله :

وإني من ربيعة غير أني

ربيعهم إذا ذهب الربيع

وزاده شرفاً وافتخاراً أن والدته من سلالة علوية واسمها ( هاشمية ) وكانت جليلة القدر محترمة في الأوساط الدينية ، ذكر السيد البحاثة السيد حسن الصدر في ( التكملة ) قال : حدثني بعض الأجلة من العلماء أن صاحب كتاب الفصول والشيخ صاحب الجواهر كانا إذا جاءا لزيارة الإمامين الجوادين عليهما

٨٧

السلام يقصدان دارها ويزورانها لجلالتها. وهي كريمة السيد جواد بن الرضا ابن المهدي البغدادي.

والشيخ جابر من فطاحل الادباء ، ملأ الاسماع بشعره متضلعاً في الكلام والتفسير والحديث والتاريخ مع ورع وتعفف وتقوى ونسك لم يرَ في الشعراء بورعه وتقواه ، وولاؤه لأهل البيت عليهم‌السلام مضرب المثل حلو الكلام عذب الألفاظ موزون النبرات.

ذكره صاحب الحصون فقال : كان فاضلاً كاملاً شاعراً ماهراً بالعربية والفارسية اديباً لغوياً عالماً بالعلوم العربية والأدبية وقد خمّس قصيدة الأزرية المشهورة فأحسن بتخميسه وأجاد. إلى آخر ما قال :

سافر إلى إيران مرتين وكان موضع حفاوة وتقدير من قبل الملوك والامراء وكان له ولد واحد وهو الشيخ طاهر عرف بالفضل والعلم والأدب وقد مات يوم كان أبوه في ايران في السفرة الثانية وبموت هذا الولد انقطع نسل الشيخ جابر من الذكور.

توفي بالكاظمية في صفر سنة ١٣١٢ ه‍ ١٨٩٥ م ودفن في الصحن الكاظمي في الغرفة الثالثة عن يمين الداخل من باب فرهاد ميرزا ، وطبع ديوانه في مطابع بغداد سنة ١٣٨٤ ه‍ بتحقيق البحاثة الشيخ محمد حسن آل ياسين سلمه الله وفي مقدمة الديوان ترجمة وافية لصاحب الديوان بقلم محقق الديوان قال فيها : ولد الشاعر في الكاظمية سنة ١٢٢٢ ه‍ وكان أبوه الشيخ عبد الحسين قد هاجر اليها من ( بلد ) لطلب العلم أيام الفقيه السيد محسن الأعرجي ، أي في اخريات القرن الثاني عشر الهجري.

٨٨

سليمان الصولة

المتوفى ١٣١٢

الشاعر المسيحي السوري سليمان بن ابراهيم الصوله ، جاء في ديوانه المطبوع في مصر صفحة ٢٣٠ قال : دخلت مدينة صور ـ لبنان يوم عاشوراء والشيخ علي عز الدين ـ أحد أفاضل الشيعة ـ في مأتم الامام الحسين (ع) فلم يستطع أن يقابلني ، فبعثت له بهذه الأبيات والثلاثة وهي :

لا فارق الكرب المؤبد والبلا

مَن لا ينوح على الشهيد بكربلا

إن لم تسل منا العيون ففي الحشا

مهج يفتت نوحهنّ الجندلا

فعلى الشهيد وآله آل الرضا

مني السلام متمماً ومكملا

فأسرع حفظه الله لزيارتي وبعث بالأبيات لحضرة والده بقية الأفاضل. وكوكب المحافل. العلامة الورع الإمام محمد عز الدين. بمقاطعة ( تبنين ) وإذ قد وردت من حضرته رسالة هذه صورتها.

من أطراف الهبات. وأظرف الصلات. ان تلا عليّ ولدي حسين ثلاثة أبيات ارسلت لأبيه الشيخ علي يوم عاشوراء فقلت لمن هم. فقال لأبي الطيبات. المتصف بأفضل الصفات. صاحب الغيرة والصوله. المعلم سليمان الصولة. فقلت هدهد الشعراء الآتي بالنبا. وآصفهم المتناول عرش بلقيس من سبا. بل سليمانهم الملبس امرئ القيس على بساطه بجاد العبا. ثم تناولتها فأعجبتني جداً. وأكثرتني شكراً وحمداً. وأذكرتني برقتها المرحوم والده المجيد. المعلم

٨٩

ابراهيم الصولة الفريد. ولاعجابي بها وشغفي بما حوت من الإيجاز. والبلاغة والإعجاز. شطرتها وخمستها ، وذيلتُ التخميس. بخطاب نفيس. لحضرة ناظمها الأجل الأمثل. والجهبذ الأفضل الأكمل. راجياً أن يلحظني بعين الرضا. الكليلة عن العيب. وأجره على عالم الغيب.

( وهذا التشطير أثابه الله ونوّله مناه )

لا فارق الكرب المؤبد والبلا

قلبا سليل المصطفى الهادي سلا

وبهبهبٍ يوم المعاد قد اصطلى

من لا ينوح على الشهيد بكربلا

إن لم تنح منا العيون ففي الحشا

نزّاعة لشوى الشؤون مع الكلا

الوجد أحرق مدمعي فتناوحت

مهج يفتت نوحهنّ الجندلا

فعلى الشهيد وآله آل الرضى

بكت الملائك لا الغرانيق العلى

وانا الذي اهدي لمن يهواهم

مني السلام متمماً ومكملا

ثم تبادلت بيننا الزيارات مراراً. وبلغ جناب مخدومة الشيخ علي ما لأبنتي ليلى من الذكاء المفرط وحفظها الشعر من مرة واحدة وافراط شوقي اليها فقال :

لئن كنت قد فارقت ليلى بجلقٍ

وأنت على بعدٍ لها غير صابر

فسلّم إلى الرحمن تسلم من الاذى

ويقّن بأن ينجيك من شرّ غادر

ولا تجزعن مما لقيت فانه

قضاء قضى من قبل ناهٍ وامرِ

وذلك لأني كنت ممنوعاً من الخروج من صور بأمر والي سوريا عزت باشا لأني أخبرت باستيلاء روسيا على أسكلة باطوم قبل أن تعلم بذلك عامة الناس فلم يمض على ذلك عشرون يوماً حتى صدر الأمر الكريم السلطاني باطلاقي وعودتي لمأموريتي ، فقال يمدحني حفظه الله ويعتذر من تأخير زيارته وهذه هي أبياته المذكورة :

قد جُمّعت فيك الفصاحة والعلى

يا من به دست الفضائل قد علا

لا فضّ فوك ولا عدمتك فاضلا

قد قلت خير القول في خير الملا

٩٠

فشغفت من طربي وقلت لصاحبي

إن لم يكن شعر الرجال كذا فلا

أنت المصلي في العلوم جميعها

عند الحسود وإن سبقت الأولا

ما عاقني عن أن أراك منادمي

إلا عزائي للشهيد بكربلا

ذاك الذي جبريل خادم جده

والمدح فيه كالحصاة من الفلا

وفي أعيان الشيعة ج ٤٢ ترجمة للشيخ علي عز الدين ابن الشيخ محمد عز الدين المتوفى ١٣٠٤ الذي كان يقطن في صور ـ لبنان قال :

وكان رجل من المسيحيين اسمه ابراهيم الصولي شاعراً أديباً ، قد أرسلته الدولة العثمانية الى صور موظفاً في بعض الدوائر ، فكانت بينه وبين الشيخ علاقة أدب وشعر فما كاد يمر يوم حتى يجتمعان. وفي يوم العاشر من المحرم انقطع الشيخ للعزاء والمأتم فأرسل له الصولي الأبيات ( لا فارق الكرب المؤبد والبلا ) فأجابه الشيخ على البديهة ( قد جمعت فيك البلاغة والعلى ) الأبيات وقال : والشيخ علي عز الدين كان ذكياً حاذقاً نسابة عارفاً بأشعار العرب حافظاً للتواريخ ترجم له في ( منية الراغبين في طبقات النسابين ).

* * *

٩١

الشيخ عباس الأعسَم

المتوفى ١٣١٣

ألا أن خطبا هائلا جلّ وقعه

له تنثنى الأيام وهي غياهب

بافلاذ قلب المصطفى قد تنشبَت

مخالبه والمدميات المخالب

وقارع سبط المصطفى في صروفه

وأقراع خطيّ الخطوب غوالب

عشية جاءته يغصّ بها الفضا

عصائب شرك تقتفيها عصائب

فشمّر للحرب الزبون طليقة

نواجذه كالليث والليث غاضب

تحوط به فتيان صدق تشوقهم

حسان المعالي لا الحسان الكواعب

تعوم بهم في موج مشتجر القنا

عراب من الخيل العتاق سلاهب

إذا رفعت للنقع ظلمة غيهب

فأسيافهم في جانبيها الكواكب

تتابع في الضرب الطعان فلا ترى

سوى طاعن يقفوه في الطعن ضارب

تهاووا على الرمضاء صرعى تلفّهم

عن العين من نسج السوافي جلابب

إلى أن قضوا حقّ المعالي وشيدت

لهم في ذرى سامي الثناء مضارب

فقام باعباء الحروب مشمراً

أخو همة تنحط عنها الثواقب

يخوض غمار الموت وهي زواخرٌ

وتلك التي عن وردها الليث ناكب

بعزم يذيب الصم وهي صياخد

وما كل عزم واري الزند ثاقب

ولولا قضاء الله لم يبق واحدٌ

على الأرض ممن قارعوه وحاربوا

ولكنما أيدي المقادير سددت

إلى قلبه سهم الردى وهو صائب

٩٢

قضى فالمعالي الغرّ تنعى ثواكلا

عليه وغرّ المكرمات نوادب

قضى فاستشاط الدين حزناً وأقذيت

له مقل أجفانهنّ سواكب

قضى وهو مطوي الضلوع على ظما

له شعلٌ في حرّها القلب لاهب

فليت عباب الماء غاض ولم تكن

تدرّ بمنهل القطار السحائب

وإن أنسَ لا أنسى عقائل أحمد

وقد نهبت أحشاءهن النوائب

تقاد برغم المجد أسرى حواسراً

وتطوى بها أدم الفلاة النجائب

يجاذبها في مشرق الشمس جانب

ويقذفها من مغرب الشمس جانب

تحنّ حنين النيب وهي ثواكل

تنازع منهن القلوب المصائب

وما بينها مقروحة القلب زينب

تنادى وما غير السياط مجاوب

وتدعو فتشجي الصم زينب حسرة

بسافح دمع عنه تروى السحائب

أيا ثاوياً لم ترو غلّة صدره

وقد نهلت منه القنا والقواضب

أبعدك أجفاني يمرّ بها الكرى

ويهنأ لي عيش وتصفو مشارب (١)

وقال متوسلاً بالامام الحسين عليه‌السلام :

اليك ابن طه لا إلى غيرك انتحت

ركائب قصدي والرجاء يسوقها

أتتك تؤم البيد تستعجل السرى

وما عاقها عن قصدها ما يعوقها

عليك لها حق الضيافة والقرى

وأي ضيوف لا توفى حقوقها

* * *

الشيخ عباس الأعسم بن عبد السادة النجفي الحيري ولد في النجف الأشرف عم ١٢٥٣ ه‍ وهاجر منها إلى الحيرة حوالي سنة ١٢٩٠ ولما كانت سنة ١٢٩٨ بلغه وهو في الحيرة وفاة طفلين له في النجف اصيبا بالطاعون الذي عم العراق تلك السنة. عاد الى وطنه النجف سنة ١٣٠٧ وبقي فيها إلى أن توفي في شهر

__________________

١ ـ الدر المنظوم في الحسين المظلوم مخطوط الخطيب السيد حسن البغدادي.

٩٣

ذي القعدة من سنة ١٣١٣ وعمره ستون كانت له قريحة وقّادة وبديهة سريعة في النظم فعكف على العلم والأدب ولازم الحوزات العلمية والأوساط الأدبية ويقضي ايام الراحة والاستجمام في الحيرة عند السادة آل زوين.

قال السيد الأمين في الأعيان : رأينا له في النجف ديوان شعر مجموع بخطه. أقول ونسخة من ديوانه بمكتبة الشيخ السماوي واخرى عند ولده الشيخ محمد الذي كان قاضي الجعفرية في النجف والمتوفى ١٣٦٦ أما نسخة خط الناظم عند ولده الآخر الشيخ عبد الحسين تقرب من ثلاثة آلاف بيت وقد رتّبه بنفسه على الحروف ، وسلسلة نسبه : فهو ابن الحاج عبد السادة ابن الحاج عبد ابن الحاج مرتضى بن الحاج قاسم بن ابراهيم بن موسى بن الحاج محمد الذي هاجر من ( خليص ) احدى ضواحي المدينة إلى النجف الأشرف.

فمن قوله في الغزل :

بكّر إلى الروض بصرف الطلا

وامزج بها رضاب ريق الملاح

واجل دياجي الهم في ضوئها

تقشع الليل بضوء الصباح

لا سيما من كف مجدولة

مالئة الحجلين غرثى الوشاح

تفتك بالأكباد أجفانها

كأنها تستلّ بيض الصفاح

فكل قلب من سهاماتها

مسهّم أو مثخن بالجراج

يا بأبي المسكر من ريقها

عند اغتباقي منه والاصطباح

وله :

ولما تجلّت بيننا كسروية

من الحبب الدري تعقد تاجها

حكت أدمعي في لونها فكأنها

عصارة خدي مَن أدار مزاجها

من الزنجبيل العذب كان مزاجها

ويا ما أحيلاها وأحلى مزاجها

__________________

عن مجلة الغرى السنة السادسة العدد ٢.

٩٤

وللشيخ عباس الأعسم مشطرا والاصل للقطامي :

يقتلننا بحديث ليس يعلمه

من هنّ عنه بواد وهو في واد

وما الهوى غير سر ليس يفهمه

من يتقين ولا مكنونه باد

فهن ينبذن من قول يصبن به

قلب الشجي بتبريح وإيقاد

وهن يسخرن في قول يقعن به

مواقع الماء من ذي الغلّة الصادي

وله أيضاً مخمساً والاصل للشيخ كاظم الازري :

أما والبيت والسبع المثاني

لقد حكم الغرام على جناني

وفي برج الجمال من الحسان

لنا قمرٌ سماوي المعاني

تشكل للعيون بشكل ريم

تملّك بالجمال على البرايا

وأصبحت القلوب له رعايا

به اختلفت عناوين القضايا

على عينيه عنوان المنايا

وفي خديه ترجمة النعيم

* * *

٩٥

الباقر الخونساري

المتوفى ١٣١٣

من أكابر الفقهاء والمجتهدين. ولد سنة ١٢٢٦ في قصبة خونسار ونشأ نشأة علمية روحية درس ودرّس وكتب وألّف فمن مؤلفاته كتابه الجليل المسمى ب‍ ( روضات الجنات في أحوال العلماء والسادات ) موسوعة قيّمة نافعة وغيره مما يقارب العشرين مؤلفاً في مختلف العلوم والفنون.

توفي رحمه‌الله ببلدة اصفهان سنة ١٣١٣ كذا ذكر الشيخ الطهراني في ( الذريعة ) وله ديوان شعر ذكره عندما ترجم نفسه وقال يشتمل على قصائد في مدائح المعصومين ، سمى كل قصيدة باسم خاص ( التحفة المحمودية ) عنبة عسكرية ( شعشة قمرية ) هدية فيروزجية ) وهكذا ، وكتب له مقدمة خالية من الحروف المعجمة أولها : الحمد لله الملك المالك المحمود والواحد الصمد ... يوجد عند حفيديه السيد محمد علي الروضاتي والسيد أحمد باصفهان ، وقد طبع لصاحب الروضات منظومة ( قرة العين في اصول الدين ) باصفهان وذلك سنة ١٣٢٠ ه‍. انتهى عن ( الذريعة ج ٩ قسم الديوان صفحة ٥٧٥ ).

* * *

٩٦

آغا أحمد النوّاب

المتوفى ١٣١١

جاء في مجموع الخطيب السيد عباس الموسوي قصيدة للسيد أحمد النواب قد نظمها في شهر المحرم سنة ١٣١١ ه‍.

الدمع لا يرقى مدى الازمان

لرزية المذبوح والعطشان

هذي المدامع سيلها متواصل

من كل قاص في الأنام ودان

لهفي على العباس وهو مجدلٌ

والسبط يدعو في رحى الميدان

ظهري انحنى من عظم ما قد حلّ بي

يا أوصل الأصحاب والاخوان

ثم انثنى نحو الخيام منادياً

هذا الوداع ولا وداع ثاني

نادته زينب والجوى بفؤادها

روحي الفدا يا سيد الأكوان

أأخي كيف أراك في حرّ الثرى

دامي الوريد مضرج الجثمان

يا ويلتا ، يا حسرتا ، يا لهفتا

تبدو السبايا من بني عدنان

جئنا من الحرم المنيع بعزّة

وحماية الفرسان والشجعان

ثم انثنينا راجعين بلا حمى

غير اليتاما والأسير العاني

والسبط مطروح ثلاثا بالعرى

ملقى بلا غسل ولا أكفان

* * *

السيد أحمد النواب ، ينتهي نسبه إلى ادريس بن جعفر التواب بن الإمام علي الهادي عليه‌السلام ، وكانت هذه الاسرة قبل هذا تتصل بزيد النار ابن الإمام موسى الكاظم (ع). وآل النواب اسرة كبيرة ، وهم طائفتان : إحداهما علوية ومنها المترجم له والاخرى هندية ، وبين الاسرتين مصاهرة قديمة

٩٧

ومن الصعب التمييز بين المنتمين اليهما.

والمترجم لم نعثر له على ترجمة سوى أن الخطيب السيد عباس البغدادي ، خطيب بغداد ذكر له في مجموعة قصيدتين في رثاء الإمام الحسين عليه‌السلام نقلهما من مجموع للشاعر المترجم له ، وقد كتب السيد عباس فوق القصيدتين ما نصه : مما قاله حضرة النواب الأكرم السيد أحمد اغا النواب أدام الله وجوده ، وذلك في أيام عاشوراء سنة ١٣١٢ ه‍.

أقول وذكر الشاب المعاصر السيد جودت السيد كاظم القزويني في مخطوطاته ان بين السيد أحمد النواب وبين السيد عباس صاحب المخطوطة نسبة قرابة من جهة النساء حتى أن في ديوان السيد عباس المخطوط قصيدة في تهنئة النواب المذكور بقران أحد أولاده. ويظهر من مجموعة الخطيب أن النواب كان حياً سنة ١٣١٢ ه‍ كما هو مؤرخ في تاريخ نظم القصيدتين.

ومما قاله السيد احمد النواب :

تحية تغتدى من ربنا الداني

على الحسين عظيم القدر والشأن

هو ابن مَن مِن رسول الله مكانته

مكان هارون من موسى بن عمران

هو الذي فيه بل في والديه غدا

مباهلاً جده أحبار نجران

هو ابن حيدرة الكرار يوم وغى

مبيد شرك وفرسان وشجعان

هو ابن من نزلت في حقه سور

الذكر المبين بايضاح وتبيان

هو ابن مَن أنزل الباري ولايته

يوم الغدير بتبليغ وبرهان

أوحى الاله لخير الرسل قاطبة

إن لم تبلّغ فما بلّغت قرآني

هو الأمير الذي كانت ولايته

من الاله بأفضال وإحسان

خير الورى بعد خير الأنبياء عُلاً

وسيد الخلق من إنس ومن جان

مهما نسيت فلا أنسى مواقفه

ما بين شرّ الورى من آل كوفان

هو الذي قال فيه المصطفى شرفاً

مني حسين ومن آذاه آذاني

٩٨

السيد جعفر الحلّي

المتوفى ١٣١٥

سادة نحن والأنام عبيد

ولنا طارف العلى والتليد

فبايماننا اهتدى الناس طراً

وبايماننا استقام الوجود

وأبونا محمد سيد الكل

وأجدر بولده أن يسودوا

ماعشقنا غير الوغى وهي تدري

انها سلوة لنا لا الخود

تتفانى شبابنا بلقاها

وعليها يشب منا الوليد

لو ترانا بالحرب نلتف بالسمر

عناقاً كأنهن قدود

ونحيي البيض الصقال بلثم

فكأن الحدود فيها خدود

وإذا قرّت الملاحم قلنا

يا منى القلب طال منك الصدود

نحشر الخيل كالوحوش ولكن

خلفها الطير سائق وشهيد

كيف لم تقفها الطيور وفيها

كل يوم لهن نحر وعيد

كل ملمومة إذا ما ارجحنت

جللتها بوارق ورعود

غررٌ في خيولنا واضحات

كنجوم يلوح فيها السعود

ولنا في الطفوف أعظم يوم

هو للحشر ذكره مشهود

يوم وافى الحسين يرشد قوماً

من بني حرب ليس فيهم رشيد

خاف أن ينقضوا بناء رسول

الله في الدين وهو غض جديد

وأبى الله أن يحكّم في الدين

طليق مستعبد وطريد

٩٩

كيف يرضى بأن يرى العدل

النقص والجائر المضل يزيد

فغدا السبط يوقظ الناس للرشد

وهم في كرى الضلال رقود

ولقد كذبته أبناء حرب

مثل ما كذب المسيح اليهود

فدعا آله الكرام إلى الحر

ب فهبوا كما تهب الاسود

علويون والشجاعة فيهم

ورثتها آباؤهم والجدود

لم يهابوا جمع العدى يوم صالوا

وان أستنزروا وقل العديد

أفرغوهن كالسبائك بيضاً

ضافيات ضيقن منها الزرود

ملأتها الأعطاف طولاً وعرضاً

فكان صاغها لهم داوود

وأقاموا قيامة الحرب حتى

حسب الحاضرون جاء الوعيد

يشرعون الرماح وهي ظوام

ما لها في سوى الصدور ورود

وضباهم بيض الخدود ولكن

زانها من دم الطلا توريد

ما نضوها بيض المضارب إلا

صبغوها بما حباها الوريد

كم ينابيع من دم فجّروها

فارتوى عاطش وأورق عود

قضب فلت الحدود وعادت

جدداً ما فللن منها الحدود

لست أدري من أين صيغ شباها

أكذا يقطع الحديد حديد

موقف منه رجت الأرض رجا

والجبال اضطربن فهي تميد

وسكنّ الرياح خوفاً ولولا

نفس الخيل ما خفقن البنود

فركود الأحلام فيهن طيش

وعروق الحياة فيها ركود

لا خبت مرهفات آل علي

فهي النار والأعادي وقود

عقدوا بينها وبين المنايا

ودعوا ها هنا توفّى العقود

ملؤا بالعدى جهنم حتى

قنعت ما تقول هل لي مزيد

ومذ الله جل نادى هلموا

وهم المسرعون مهما نودوا

نزلوا عن خيولهم للمنايا

وقصارى هذا النزول صعود

١٠٠