البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

ذهب هذا النظر على كثير من المفسرين فقال بعضهم (إِنْ أَرَدْنَ) راجع إلى قوله (وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ) وهذا فيه بعد وفصل كثير ، وأيضا فالأيامى يشمل الذكور والإناث ، فكان لو أريد هذا المعنى لكان التركيب : إن أرادوا تحصنا فيغلب المذكر على المؤنث. وقال بعضهم : هذا الشرط ملغى. وقال الكرماني : هذا شرط في الظاهر وليس بشرط كقوله (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) ومع أنه وإن كان لم يعلم خيرا صحت الكتابة.

وقال ابن عيسى : جاء بصيغة الشرط لتفحيش الإكراه على ذلك ، وقال : لأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة انتهى. و (عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا) هو ما يكسبنه بالزنا. وقوله (فَإِنَّ اللهَ) جواب للشرط. والصحيح أن التقدير (غَفُورٌ رَحِيمٌ) لهم ليكون جواب الشرط فيه ضمير يعود على من الذين هو اسم الشرط ، ويكون ذلك مشروطا بالتوبة. ولما غفل الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء عن هذا الحكم قدروا (فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) لهن أي للمكرهات ، فعريت جملة جواب الشرط من ضمير يعود على اسم الشرط. وقد ضعف ما قلناه أبو عبد الله الرازي فقال : فيه وجهان أحدهما : فإن الله غفور رحيم لهنّ لأن الإكراه يزيل الإثم والعقوبة من المكره فيما فعل ، والثاني : فإن الله غفور رحيم للمكره بشرط التوبة ، وهذا ضعيف لأنه على التفسير الأول لا حاجة لهذا الإضمار. وعلى الثاني يحتاج إليه انتهى. وكلامهم كلام من لم يمعن في لسان العرب.

فإن قلت : قوله (إِكْراهِهِنَ) مصدر أضيف إلى المفعول والفاعل مع المصدر محذوف ، والمحذوف كالملفوظ والتقدير من بعد إكراههم إياهنّ والربط يحصل بهذا المحذوف المقدر فلتجز المسألة قلت : لم يعدوا في الروابط الفاعل المحذوف ، تقول : هند عجبت من ضربها زيدا فتجوز المسألة ، ولو قلت هند عجبت من ضرب زيدا لم تجز. ولما قدر الزمخشري في أحد تقدير أنه لهن أورد سؤالا فإن قلت : لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن لأن المكرهة على الزنا بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة قلت : لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو من ضرب عنيف وغيره حتى يسلم من الإثم ، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة انتهى. وهذا السؤال والجواب مبنيان على تقدير لهنّ.

وقرأ (مُبَيِّناتٍ) بفتح الياء الحرميان وأبو عمرو وأبو بكر أي بيّن الله في هذه السورة وأوضح آيات تضمنت أحكاما وحدودا وفرائض ، فتلك الآيات هي المبينة ، ويجوز أن يكون المراد مبينا فيها ثم اتسع فيكون المبين في الحقيقة غيرها. وهي ظرف للمبين. وقرأ

٤١

باقي السبعة والحسن وطلحة والأعمش بكسر الياء ، فإما أن تكون متعدية أي (مُبَيِّناتٍ) غيرها من الأحكام والحدود ، فأسند ذلك إليها مجازا ، وإما أن تكون لا تتعدى أي بينات في نفسها لا تحتاج إلى موضح بل هي واضحة لقولهم في المثل. قد بيّن الصبح لذي عينين. أي قد ظهر ووضح. وقوله (وَمَثَلاً) معطوف على آيات ، فيحتمل أن يكون المعنى (وَمَثَلاً) من أمثال الذين من قبلكم ، أي قصة غريبة من قصصهم كقصة يوسف ومريم في براءتهما لبراءة من رميت بحديث الإفك لينظروا قدرة الله في خلقه وصنعه فيه فيعتبروا. وقال الضحاك : والمراد بالمثل ما في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود ، فأنزل في القرآن مثله. وقال مقاتل : أي شبها من حالهم في تكذيب الرسل أي بينا لكم ما أحللنا بهم من العذاب لتمردهم ، فجعلنا ذلك مثلا لكم لتعلموا أنكم إذا شاركتموهم في المعصية كنتم مثلهم في استحقاق العقاب. (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أي ما وعظ في الآيات والمثل من نحو قوله (وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ) (١) و (لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً) (٢) وخص المتقين لأنهم المنتفعون بالموعظة.

اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)

النور في كلام العرب الضوء المدرك بالبصر ، فإسناده إلى الله تعالى مجاز كما تقول : زيد كرم وجود وإسناده على اعتبارين ، إما على أنه بمعنى اسم الفاعل أي منوّر السموات والأرض ، ويؤيد هذا التأويل قراءة عليّ بن أبي طالب وأبي جعفر وعبد العزيز المكي

__________________

(١) سورة النور : ٢٤ / ٢.

(٢) سورة النور : ٢٤ / ١٧.

٤٢

وزيد بن عليّ وثابت بن أبي حفصة والقورصي ومسلمة بن عبد الملك وأبي عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة (نُورُ) فعلا ماضيا و (الْأَرْضِ) بالنصب. وإما على حذف أي ذو نور ، ويؤيده قوله (مَثَلُ نُورِهِ) ويحتمل أن يجعل نورا على سبيل المدح ، كما قالوا فلان شمس البلاد ونور القبائل وقمرها ، وهذا مستفيض في كلام العرب وأشعارها. قال الشاعر :

كأنك شمس والملوك كواكب

وقال :

قمر القبائل خالد بن زيد

وقال :

إذا سار عبد الله من مرو ليلة

فقد سار منها بدرها وجمالها

ويروى نورها ، وأضاف النور إلى (السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) لدلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى يضيء له السموات والأرض ، أو يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به. وقال ابن عباس : (نُورُ السَّماواتِ) أي هادي أهل السموات. وقال مجاهد : مدبر أمور السموات. وقال الحسن : منور السموات. وقال أبي : الله به نور السموات أو منه نور السموات أي ضياؤها. وقال أبو العالية : مزين السموات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء. وقيل : المنزه من كل عيب امرأة نوار بريئة من الريبة والفحشاء. وقال الكرماني : هو الذي يرى ويرى به مجاز وصف الله به لأنه يرى ويرى بسببه مخلوقاته لأنه خلقها وأوجدها.

والظاهر أن الضمير في (مَثَلُ نُورِهِ) عائد على الله تعالى. واختلفوا في هذا القول ما المراد بالنور المضاف إليه تعالى. فقيل : الآيات البينات في قوله (وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ) (١) وقيل : الإيمان المقذوف في قلوب المؤمنين. وقيل : النور هنا هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم.

وقيل : النور هنا المؤمن. وقال كعب وابن جبير : الضمير في (لِنُورِهِ) عائد على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أي مثل نور محمد. وقال أبيّ : هو عائد على المؤمنين وفي قراءته مثل نور المؤمن. وروي أيضا فيها مثل نور من آمن به. وقال الحسن : يعود على القرآن والإيمان وهذه الأقوال الثلاثة عاد فيها الضمير على غير مذكور ، ونقلت المعنى المقصود

__________________

(١) سورة النور : ٢٤ / ٣٤.

٤٣

بالآية بخلاف عوده على الله تعالى ، ولذلك قال مكي يوقف على (وَالْأَرْضِ) في تلك الأقوال الثلاثة. واختلفوا في هذا التشبيه أهو تشبيه جملة بجملة لا يقصد فيها إلى تشبيه جزء بجزء ومقابلة شيء بشيء ، أو مما قصد به ذلك أي مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ، أي مثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر. وقيل : هو من التشبيه المفصل المقابل جزءا بجزء ، وقرروه على تلك الأقوال الثلاثة أي (مَثَلُ نُورِهِ) في محمد أو في المؤمن أو في القرآن والإيمان (كَمِشْكاةٍ) فالمشكاة هو الرسول أو صدره و (الْمِصْباحُ) هو النبوة وما يتصل بها من علمه وهداه و (الزُّجاجَةُ) قلبه. والشجرة المباركة الوحي والملائكة رسل الله إليه ، وشبه الفصل به بالزيت وهو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي وعلى قول المؤمن فالمشكاة صدره و (الْمِصْباحُ) الأيمان والعلم. و (الزُّجاجَةُ) قلبه والشجرة القرآن وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها. قال أبيّ : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات ، وعلى قول الإيمان والقرآن أي مثل الإيمان والقرآن في صدر المؤمن في قلبه (كَمِشْكاةٍ) وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ، لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان.

وقال الزمخشري : أي صفة (لِنُورِهِ) لعجيبة الشأن في الإضاءة (كَمِشْكاةٍ) أي كصفة مشكاة انتهى. ويظهر لي أن قوله (كَمِشْكاةٍ) هو على حذف مضاف أي (مَثَلُ نُورِهِ) مثل نور مشكاة وتقدّم في المفردات أن المشكاة هي الكوة غير النافذة ، وهو قول ابن جبير وسعيد بن عياض والجمهور. وقال أبو موسى : المشكاة الحديدة والرصاصة التي تكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة. وقال مجاهد : المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه ، وقال أيضا الحدائد التي تعلق فيها القناديل.

(فِيها مِصْباحٌ) أي سراج ضخم ، والظاهر أن (الزُّجاجَةُ) ظرف للمصباح لقوله (الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ) وقدره الزمخشري في زجاج شامي ، وكان عنده أصفى الزجاج هو الشامي ولم يقيد في الآية. وقرأ أبو رجاء ونصر بن عاصم (فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ) بكسر الزاي فيهما ، وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابن مجاهد بفتحها. (كَأَنَّها) أي كأن الزجاجة لصفاء جوهرها وذاتها وهو أبلغ في الإنارة ، ولما احتوت عليه من نور المصباح.

٤٤

(كَوْكَبٌ دُرِّيٌ) قال الضحاك : هو الزهرة شبه الزجاجة في زهرتها بأحد الدراري من الكواكب المشاهير ، وهي المشتري ، والزهرة ، والمريخ ، وسهيل ونحو ذلك. وقرأ الجمهور من السبعة نافع وابن عامر وحفص وابن كثير (دُرِّيٌ) بضم الدال وتشديد الراء والياء ، والظاهر نسبة الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، ويحتمل أن يكون أصله الهمز فأبدل وأدغم. وقرأ قتادة وزيد بن عليّ والضحاك كذلك إلّا أنهما فتحا الدال. وروى ذلك عن نصر بن عاصم وأبي رجاء وابن المسيب. وقرأ الزهري كذلك إلّا أنه كسر الدال. وقرأ حمزة كذلك إلّا أنه همز من الدرء بمعنى الدفع ، أي يدفع بعضها بعضا ، أو يدفع ضوؤها خفاءها ووزنها فعيل. قيل : ولا يوجد فعيل إلّا قولهم مريق للعصفر ودريء في هذه القراءة. قيل : وسرية إذا قيل إنها مشتقة من السرور ، وأبدل من أحد المضعفات الياء فأدغمت فيها ياء فعيل ، وسمع أيضا مريخ للذي في داخل القرن اليابس بضم الميم وكسرها. وقيل : منه عليه. وقيل : (دُرِّيٌ) ووزنه في الأصل فعول كسبوح فاستثقل الضم فرد إلى الكسر ، وكذا قيل في سرته ودرته. وقرأ أبو عمرو والكسائي كذلك إلّا أنه كسر الدال وهو بناء كثير في الأسماء نحو سكين وفي الأوصاف سكير. وقرأ قتادة أيضا وأبان بن عثمان وابن المسيب وأبو رجاء وعمرو بن فائد والأعمش ونصر بن عاصم كذلك إلّا أنه بفتح الدال. قال ابن جني : وهذا عزيز لم يحفظ منه إلّا السكينة بفتح السين وشدّ الكاف انتهى. وفي الأبنية حكى الأخفش كوكب دريء من درأته ودرية وعليك بالسكينة والوقار عن أبي زيد. وحكى الفراء بكسر السين.

وقرأ الأخوان وأبو بكر والحسن وزيد بن عليّ وقتادة وابن وثاب وطلحة وعيسى والأعمش توقد بضم التاء أي (الزُّجاجَةُ) مضارع أوقدت مبينا للمفعول ، ونافع وابن عامر وحفص كذلك إلّا أنه بالياء أي (الْمِصْباحُ) وابن كثير وأبو عمرو توقد بفتح الأربعة فعلا ماضيا أي (الْمِصْباحُ). والحسن والسلمي وقتادة وابن محيصن وسلام ومجاهد وابن أبي إسحاق والمفضل عن عاصم كذلك إلّا أنه بضم الدال مضارع توقد وأصله تتوقد أي (الزُّجاجَةُ). وقرأ عبد الله وقد بغير تاء وشدد القاف جعله فعلا ماضيا أي وقد المصباح. وقرأ السلمي وقتادة وسلام أيضا كذلك إلّا أنه بالياء من تحت ، وجاء كذلك عن الحسن وابن محيصن ، وأصله يتوقد أي (الْمِصْباحُ) إلّا أن حذف الياء في يتوقد مقيس لدلالة ما أبقى على ما حذف. وفي (يُوقَدُ) شاذ جدّا لأن الياء الباقية لا تدل على التاء المحذوفة ، وله وجه من القياس وهو حمله على يعد إذ حمل يعد وتعد وأعد في حذف

٤٥

الواو كذلك هذ لما حذفوا من تتوقد بالتاءين حذفوا التاء مع الياء وإن لم يكن اجتماع التاء والياء مستثقلا.

(مِنْ شَجَرَةٍ) أي من زيت شجرة ، وهي شجرة الزيتون. (مُبارَكَةٍ) كثيرة المنافع أو لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين. وقيل : بارك فيها للعالمين. وقيل : بارك فيها سبعون نبيا منهم إبراهيم عليه‌السلام ، والزيتون من أعظم الشجر ثمرا ونماء واطراد أفنان ونضارة أفنان. وقال أبو طالب :

بورك الميت الغريب كما

بورك نضر الرمان والزيتون

(لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ). قال ابن زيد : هي من شجر الشام فهي ليست من شرق الأرض ولا من غربها ، لأن شجر الشام أفضل الشجر. وقال ابن عباس وعكرمة وقتادة وغيرهم : هي في منكشف من الأرض تصيبها الشمس طول النهار تستدير عليها ، فليست خالصة للشرق فتسمى (شَرْقِيَّةٍ) ، ولا للغرب فتسمى (غَرْبِيَّةٍ) وقال الحسن : هذا مثل وليست من شجر الدنيا إذ لو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية. وعن ابن عباس : أنها في درجة أحاطت بها فليست منكشفة لا من جهة الشرق ولا من جهة الغرب ، وهذا لا يصح عن ابن عباس لأنها إذا كانت بهذه الصفة فسد جناها. وقال ابن عطية : إنها في وسط الشجر لا تصيبها الشمس طالعة ولا غاربة ، بل تصيبها بالغداة والعشي. وقال عكرمة : هي من شجر الجنة. وقال ابن عمر : الشجرة مثل أي إنها ملة إبراهيم ليست بيهودية ولا نصرانية. وقيل : ملة الإسلام ليست بشديدة ولا لينة. وقيل : لا مضحى ولا مفيأة ، ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها ، وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها.

و (زَيْتُونَةٍ) بدل من (شَجَرَةٍ) وجوز بعضهم فيه أن يكون عطف بيان ، ولا يجوز على مذهب البصريين لأن عطف البيان عندهم لا يكون إلّا في المعارف ، وأجاز الكوفيون وتبعهم الفارسي أنه يكون في النكرات. و (لا شَرْقِيَّةٍ وَلا) على (غَرْبِيَّةٍ) على قراءة الجمهور بالخفض صفة لزيتونة. وقرأ الضحاك بالرفع أي لا هي شرقية ولا غربية ، والجملة في موضع الصفة.

(يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) مبالغة في صفاء الزيت وأنه لإشراقه وجودته يكاد يضيء من غير نار. والجملة من قوله (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) حالية معطوفة على حال محذوفة أي (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ) في كل حال ولو في هذه الحال التي تقتضي أنه لا يضيء

٤٦

لانتفاء مس النار له ، وتقدم لنا أن هذا العطف إنما يأتي مرتبا لما كان لا ينبغي أن يقع لامتناع الترتيب في العادة وللاستقصاء حتى يدخل ما لا يقدر دخوله فيما قبله نحو : «أعطوا السائل ولو جاء على فرس ، ردوا السائل ولو بظلف محرق». وقرأ الجمهور : (تَمْسَسْهُ) بالتاء وابن عباس والحسن بالياء من تحت ، وحسنه الفصل وأن تأنيث النار مجازي وهو مؤنث بغير علامة.

(نُورٌ عَلى نُورٍ) أي متضاعف تعاون عليه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت ، فلم يبق مما يقوى النور ويزيده إشراقا شيء لأن المصباح إذا كان في مكان ضيق كان أجمع لنوره بخلاف المكان المتسع ، فإنه ينشر النور ، والقنديل أعون شيء على زيادة النور وكذلك الزيت وصفاؤه ، وهنا تم المثال.

ثم قال (يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) أي لهداه والإيمان من يشاء هدايته ويصطفيه لها. ومن فسر النور في (مَثَلُ نُورِهِ) بالنبوة قدر يهدي الله إلى نبوته. وقيل : إلى الاستدلال بالآيات ، ثم ذكر تعالى أنه يضرب الأمثال للناس ليقع لهم العبرة والنظر المؤدّي إلى الإيمان ، ثم ذكر إحاطة علمه بالأشياء فهو يضع هداه عند من يشاء. (فِي بُيُوتٍ) متعلق بيوقد قاله الرماني ، أو في موضع الصفة لقوله (كَمِشْكاةٍ) أي كمشكاة في بيوت قاله الحوفي ، وتبعه الزمخشري قال (كَمِشْكاةٍ) في بعض بيوت الله وهي المساجد. قال (مَثَلُ نُورِهِ) كما ترى في المسجد نور المشكاة التي من صفتها كيت وكيت انتهى. وقوله كأنه إلى آخره تفسير معنى لا تفسير إعراب أو في موضع الصفة لمصباح أي مصباح (فِي بُيُوتٍ) قاله بعضهم أو في موضع الصفة لزجاجة قاله بعضهم ، وعلى هذه الأقوال الأربعة لا يوقف على قوله (عَلِيمٌ). وقيل : (فِي بُيُوتٍ) مستأنف والعامل فيه (يُسَبِّحُ) حكاه أبو حاتم وجوزه الزمخشري. فقال : وقد ذكر تعلقه بكمشكاة قال : أو بما بعده وهو (يُسَبِّحُ) أي (يُسَبِّحُ لَهُ) رجال في بيوت وفيها تكرير كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف كقوله (فِي تِسْعِ آياتٍ) (١) أي سبحوا في بيوت انتهى. وعلى هذه الأقوال الثلاثة يوقف على قوله (عَلِيمٌ) والذي اختاره أن يتعلق (فِي بُيُوتٍ) بقوله (يُسَبِّحُ) وإن ارتباط هذه بما قبلها هو أنه تعالى لما ذكر أنه يهدي لنوره من يشاء ذكر حال من حصلت له الهداية لذلك النور وهم المؤمنون ، ثم ذكر أشرف عبادتهم القلبية وهو تنزيههم الله عن النقائص وإظهار ذلك بالتلفظ به في مساجد الجماعات ، ثم ذكر سائر أوصافهم من التزام ذكر الله

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧ / ١٢.

٤٧

وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وخوفهم ما يكون في البعث. ولذلك جاء مقابل المؤمنين وهم الكفار في قوله (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) (١) وكأنه لما ذكرت الهداية للنور جاء في التقسيم لقابل الهداية وعدم قابلها ، فبدئ بالمؤمن وما تأثر به من أنواع الهدى ثم ذكر الكافر. والظاهر أن قوله (فِي بُيُوتٍ) أريد به مدلوله من الجمعية.

وقال الحسن : أريد به بيت المقدس ، وسمى بيوتا من حيث فيه مواضع يتحيز بعضها عن بعض ، ويؤثر أن عادة بني إسرائيل في وقيده في غاية التهمم والزيت مختوم على ظروفه وقد صنع صنعة وقدس حتى لا يجري الوقيد بغيره ، فكان أضوأ بيوت الأرض. والظاهر أن (فِي بُيُوتٍ) مطلق فيصدق على المساجد والبيوت التي تقع فيها الصلاة والعلم. وقال مجاهد : بيوت الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وقال ابن عباس والحسن أيضا ومجاهد : هي المساجد التي من عادتها أن تنور بذلك النوع من المصابيح. وقيل : الكعبة وبيت المقدس ومسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ومسجد قباء. وقيل : بيوت الأنبياء. ويقوي أنها المساجد قوله (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ) وإذنه تعالى وأمره بأن (تُرْفَعَ) أي يعظم قدرها قاله الحسن والضحاك. وقال ابن عباس ومجاهد : تبنى وتعلى من قوله (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ) (٢). وقيل : (تُرْفَعَ) تطهر من الأنجاس والمعاصي. وقيل : (تُرْفَعَ) أي ترفع فيها الحوائج إلى الله. وقيل : (تُرْفَعَ) الأصوات بذكر الله وتلاوة القرآن.

(وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) ظاهره مطلق الذكر فيعم كل ذكر عموم البدل. وعن ابن عباس : توحيده وهو لا إله إلّا الله. وعنه : يتلى فيها كتابه. وقيل : أسماؤه الحسنى. وقيل : يصلى فيها. وقرأ الجمهور (يُسَبِّحُ) بكسر الباء وبالياء من تحت ، وابن وثاب وأبو حيوة كذلك إلّا أنه بالتاء من فوق ، وابن عامر وأبو بكر والبحتري عن حفص ومحبوب عن أبي عمرو والمهال عن يعقوب والمفضل وأبان بفتحها وبالياء من تحت واحد المجرورات في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ، والأولى الذي يلي الفعل لأن طلب الفعل للمرفوع أقوى من طلبه للمنصوب الفضلة. وقرأ أبو جعفر : تسبح بالتاء من فوق وفتح الباء.

قال الزمخشري : ووجهها أن تسند إلى أوقات الغدو والآصال على زيادة الباء ، وتجعل الأوقات مسبحة. والمراد بها كصيد عليه يومان والمراد وحشهما انتهى. ويجوز أن

__________________

(١) سورة النور : ٢٤ / ٣٩.

(٢) سورة البقرة : ٢ / ١٢٧.

٤٨

يكون المفعول الذي لم يسم فاعله ضمير التسبيحة الدال عليه (تُسَبِّحُ) أي تسبح له هي أي التسبيحة كما قالوا (لِيَجْزِيَ قَوْماً) (١) في قراءة من بناه للمفعول أي ليجزي هو أي الجزاء.

وقرأ أبو مجلز : والإيصال وتقدم نظيره وارتفع (رِجالٌ) على هاتين القراءتين على الفاعلية بإضمار فعل أي (يُسَبِّحُ) أو يسبح له رجال. واختلف في اقتياس هذا ، فعلى اقتياسه نحو ضربت هند زيد أي ضربها زيد ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي المسبح رجال. وتقدم الكلام في تفسير الغدو والآصال والمراد بهما.

ثم ذكر تعالى وصف المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمر الله وطلبهم رضاه لا يشتغلون عن ذكر الله واحتمل قوله (لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ) وجهين : أحدهما : أنهم لا تجارة لهم ولا بيع فيلهيهم عن ذكر الله كقوله :

على لا حب لا يهتدى بمناره

أي لا منار له فيهتدى به. والثاني : أنهم ذوو تجارة وبيع ولكن لا يشغلهم ذلك عن ذكر الله وعما فرض عليهم ، والظاهر مغايرة التجارة والبيع ، ولذلك عطف فاحتمل أن تكون تجارة من إطلاق العام ويراد به الخاص ، فأراد بالتجارة الشراء ولذلك قابله بالبيع ، أو يراد تجارة الجلب ويقال : تجر فلان في كذا إذا جلبه وبالبيع البيع بالأسواق ، ويحتمل أن يكون (وَلا بَيْعٌ) من ذكر خاص بعد عام ، لأن التجارة هي البيع والشراء طلبا للربح. ونبه على هذا الخاص لأنه في الإلهاء أدخل من قبل أن التاجر إذا اتجهت له بيعة رابحة وهي طلبته الكلية من صناعته ألهته ما لا يلهيه شيء يتوقع فيه الربح لأن هذا يقين وذاك مطنون.

قال الزمخشري : التاء في إقامة عوض من العين الساقطة للإعلال والأصل أقوام ، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت ونحوه :

وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا.

انتهى. وهذا الذي ذكر من أن التاء سقطت لأجل الإضافة هو مذهب الفراء ومذهب البصريين ، أن التاء من نحو هذا لا تسقط للإضافة وتقدم لنا الكلام على (وَإِقامِ الصَّلاةِ) في الأنبياء وصدر البيت الذي أنشد عجزه قوله :

__________________

(١) سورة الجاثية : ٤٥ / ١٤.

٤٩

إن الخليط أجدوا البين فانجردوا

وقد تأول خالد بن كلثوم قوله عدا الأمر على أنه جمع عدوة ، والعدوة الناحية كأن الشاعر أراد نواحي الأمر وجوانبه.

(يَخافُونَ يَوْماً) هو يوم القيامة ، والظاهر أن معنى (تَتَقَلَّبُ) تضطرب من هول ذلك اليوم كما قال تعالى (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) (١) فتقلبها هو قلقها واضطرابها ، فتتقلب من طمع في النجاة إلى طمع ومن حذر هلاك إلى هلاك. وهذا المعنى تستعمله العرب في الحروب كقوله :

بل كان قلبك في جناحي طائر

ويبعد قول من قال (تَتَقَلَّبُ) على جمر جهنم لأن ذلك ليس في يوم القيامة بل بعده. وقول من قال إن تقلبها ظهور الحق لها أي فتتقلب عن معتقدات الضلال إلى اعتقاد الحق على وجهه فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعا عليها ، وتبصر الأبصار بعد أن كانت عميا والقول الأول أبلغ في التهويل. وقرأ ابن محيصن : تقلب بإدغام التاء في التاء.

واللام في (لِيَجْزِيَهُمُ) متعلقة بمحذوف أي فعلوا ذلك (لِيَجْزِيَهُمُ) ويجوز أن تتعلق بيسبح وهو الظاهر. وقال الزمخشري : والمعنى يسبحون ويخافون (لِيَجْزِيَهُمُ) انتهى. والظاهر أن قوله (يَخافُونَ) صفة لرجال كما أن (لا تُلْهِيهِمْ) كذلك. (أَحْسَنَ) هو على حذف مضاف أي ثواب أحسن ما عملوا ، أو (أَحْسَنَ) جزاء ما عملوا. (وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) على ما تقتضيه أعمالهم ، فأهل الجنة أبدا في مزيد. وقال الزمخشري : (لِيَجْزِيَهُمُ) ثوابهم مضاعفا (وَيَزِيدَهُمْ) على الثواب تفضيلا وكذلك معنى قوله (الْحُسْنى) (٢) وزيادة المثوبة الحسنى ، وزيادة عليها من التفضل وعطاء الله عزوجل إما تفضل وإما ثواب وإما عوض.

(وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ) ما يتفضل به (بِغَيْرِ حِسابٍ) فأما الثواب فله حسنات لكونه على حسب الاستحقاق انتهى. وفي قوله على حسب الاستحقاق دسيسة اعتزال.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ

__________________

(١) سورة الأحزاب : ٣٣ / ١٠.

(٢) سورة النساء : ٤ / ٩٥ وغيرها.

٥٠

فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)

لما ذكر تعالى حالة الإيمان والمؤمنين وتنويره قلوبهم ووصفهم بما وصفهم من الأعمال النافعة في الآخرة أعقب ذلك بذكر مقابلهم الكفرة وأعمالهم ، فمثل لهم ولأعمالهم مثلين أحدهما يقتضي بطلان أعمالهم في الآخرة وأنهم لا ينتفعون بها. والثاني يقتضي حالها في الدنيا من ارتباكها في الضلال والظلمة شبه أولا أعمالهم في اضمحلالها وفقدان ثمرتها بسراب في مكان منخفض ظنه العطشان ماء فقصده وأتعب نفسه في الوصول إليه. (حَتَّى إِذا جاءَهُ) أي جاء موضعه الذي تخيله. فيه (لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) أي فقده لأنه مع الدنو لا يرى شيئا. كذلك الكافر يظن أن عمله في الدنيا نافعه حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم ينفعه عمله بل صار وبالا عليه.

وقرأ مسلمة بن محارب : بقيعات بتاء ممطوطة جمع قيعة كديمات وقيمات في ديمة وقيمة ، وعنه أيضا بتاء شكل الهاء ويقف عليها بالهاء فيحتمل أن يكون جمع قيعة ، ووقف بالهاء على لغة طيء كما قالوا البناه والأخواه في الوقف على البنات والأخوات. قال صاحب اللوامح : ويجوز أن يريد قيعة كالعامة أي كالقراءة العامة ، لكنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف مثل مخر نبق لينباع. وقال الزمخشري : وقد جعل بعضهم بقيعات بتاء ممدودة كرجل عزهاة. وقال صاحب اللوامح : ويجوز أنه جعله مثل سعلة وسعلاة وليلة وليلاة ، والقيعة مفرد مرادف للقاع أو جمع قاع كنار ونيرة ، فتكون على هذا قراءة قيعات جمع صحة تناول جمع تكسير مثل رجالات قريش وجمالات صفر.

وقرأ شيبة وأبو جعفر ونافع بخلاف عنهما الظمان بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى الميم ، والظاهر أن قوله (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ) هو من صفات السراب ولا يعني إلّا مطلق (الظَّمْآنُ) لا الكافر (الظَّمْآنُ) وقال الزمخشري : شبه ما يعمله من لا يعتقد الإيمان ولا يتبع الحق من الأعمال الصالحة التي يحسبها أن تنفعه عند الله وتنجيه من عذابه يوم القيامة ، ثم يخيب في العاقبة أمله ويلقى خلاف ما قدر بسراب يراه الكافر بالساهرة وقد غلبه عطش يوم القيامة فيحسبه ماء ، فيأتيه فلا يجد ما رجاه ويجد ربانية الله عنده ، يأخذونه ويعتلونه ويسقونه الحميم والغساق وهم الذين قال الله فيهم (عامِلَةٌ ناصِبَةٌ) (١) و (هُمْ

__________________

(١) سورة الغاشية : ٨٨ / ٣.

٥١

يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (١) (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) (٢). وقيل : نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام انتهى. فجعل (الظَّمْآنُ) هو الكافر حتى تطرد الضمائر في (جاءَهُ) و (لَمْ يَجِدْهُ وَوَجَدَ) و (عِنْدَهُ) و (فَوَفَّاهُ) لشخص واحد ، وغيره غاير بين الضمائر فالضمير في (جاءَهُ) و (لَمْ يَجِدْهُ) للظمآن. وفي (وَوَجَدَ) للكافر الذي ضرب له مثلا بالظمئان ، أي ووجد هذا الكافر وعد الله بالجزاء على عمله بالمرصاد (فَوَفَّاهُ حِسابَهُ) عمله الذي جازاه عليه. وهذا معنى قول أبي وابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأفرد الضمير في (وَوَجَدَ) بعد تقدم الجمع حملا على كل واحد من الكفار.

وقال ابن عطية : يحتمل أن يعود الضمير في (جاءَهُ) على السراب. ثم في الكلام متروك كثير يدل عليه الظاهر تقديره وكذلك الكافر يوم القيامة يظن عمله نافعا (حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً) ويحتمل الضمير أن يعود على العمل الذي يدل عليه قوله (أَعْمالُهُمْ) ويكون تمام المثل في قوله (ماءً) ويستغني الكلام عن متروك على هذا التأويل ، لكن يكون في المثل إيجاز واقتضاب لوضوح المعنى المراد به.

(وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ) أي بالمجازاة ، والضمير في (عِنْدَهُ) عائد على العمل انتهى. والذي يظهر لي أنه تعالى شبه أعمالهم في عدم انتفاعهم بها بسراب صفته كذا ، وأن الضمائر فيما بعد (الظَّمْآنُ) له. والمعنى في (وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ) أي (وَوَجَدَ) مقدور (اللهَ) عليه من هلاك بالظمأ (عِنْدَهُ) أي عند موضع السراب (فَوَفَّاهُ) ما كتب له من ذلك. وهو المحسوب له ، والله معجل حسابه لا يؤخره عنه فيكون الكلام متناسقا آخذا بعضه بعنق بعض. وذلك باتصال الضمائر لشيء واحد ، ويكون هذا التشبيه مطابقا لأعمالهم من حيث أنهم اعتقدوها نافعة فلم تنفعهم وحصل لهم الهلاك بأثر ما حوسبوا. وأما في قول الزمخشري : فإنه وإن جعل الضمائر للظمآن لكنه جعل (الظَّمْآنُ) هو الكافر وهو تشبيه الشيء بنفسه كما قال. وشبه الماء بعد الجهد بالماء. وأما في قول غيره : ففيه تفكيك الكلام إذ غاير بين الضمائر وانقطع ترصيف الكلام بجعل بعضه مفلتا من بعض.

(أَوْ كَظُلُماتٍ) هذا التشبيه الثاني لأعمالهم فالأول فيما يؤول إليه أعمالهم في الآخرة ، وهذا الثاني فيما هم عليه في حال الدنيا. وبدأ بالتشبيه الأول لأنه آكد في الإخبار

__________________

(١) سورة الكهف : ١٨ / ١٠٤.

(٢) سورة الفرقان : ٢٥ / ٢٣.

٥٢

لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم والعذاب السرمدي. ثم أتبعه بهذا التمثيل الذي نبههم على ما هي أعمالهم عليه لعلهم يرجعون إلى الإيمان ويفكرون في نور الله الذي جاء به الرسول صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، والظاهر أنه تشبيه لأعمالهم وضلالهم بالظلمات المتكاثفة.

وقال أبو علي الفارسي : التقدير أو كذي ظلمات ، قال : ودل على هذا المضاف قوله (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ) فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف ، فالتشبيه وقع عند أبي عليّ للكافر لا للأعمال وهو خلاف الظاهر ، ويتخيل في تقرير كلامه أن يكون التقدير أو هم كذي ظلمات فيكون التشبيه الأول لأعمالهم. والثاني لهم في حال ضلالهم. وقال أبو البقاء : في التقدير وجهان أحدهما : أو كأعمال ذي ظلمات ، فيقدر ذي ظلمات ليعود الضمير من قوله (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ) إليه ، ويقدر أعمال ليصح تشبيه أعمال الكفار بأعمال صاحب الظلمة إذ لا معنى لتشبيه العمل بصاحب الظلمات. والثاني : لا حذف فيه ، والمعنى أنه شبه أعمال الكفار بالظلمة في حيلولتها بين القلب وبين ما يهتدى إليه ، فأما الضمير في قوله (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ) فيعود إلى مذكور حذف اعتمادا على المعنى تقديره إذا أخرج من فيها يده.

وقال الجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار. والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من أعمالهم ، وقد قال تعالى يخرجهم من الظلمات إلى النور. من الكفر إلى الإيمان ، فيكون التمثيل قد وقع لأعمالهم بكفر الكافر و (أَعْمالُهُمْ) منها كفرهم ، فيكون قد شبه (أَعْمالُهُمْ) بالظلمات ، والعطف بأو هنا لأنه قصد التنويع والتفصيل لا أن (أَوْ) للشك. وقال الكرماني : (أَوْ) للتخيير على تقدير شبه أعمال الكفار بأيهما شئت.

وقرأ سفيان بن حسين (أَوْ كَظُلُماتٍ) بفتح الواو جعلها واو عطف تقدّمت عليها الهمزة التي لتقرير التشبيه الخالي عن محض الاستفهام. والظاهر أن الضمير في (يَغْشاهُ) عائد على (بَحْرٍ لُجِّيٍ) أي يغشى ذلك البحر أي يغطي بعضه بعضا ، بمعنى أن تجيء موجة تتبعها أخرى فهو متلاطم لا يسكن ، وأخوف ما يكون إذا توالت أمواجه ، وفوق هذا الموج (سَحابٌ) وهو أعظم للخوف لإخفائه النجوم التي يهتدى بها ، وللريح والمطر الناشئين مع السحاب. ومن قدر أو كذي ظلمات أعاد الضمير في (يَغْشاهُ) على ذي المحذوف ، أي يغشى صاحب الظلمات.

وقرأ الجمهور (سَحابٌ) بالتنوين (ظُلُماتٌ) بالرفع على تقدير خبر لمبتدأ محذوف ، أي هذه أو تلك (ظُلُماتٌ) وأجاز الحوفي أن تكون مبتدأ و (بَعْضُها فَوْقَ

٥٣

بَعْضٍ) مبتدأ وخبره في موضع خبر (ظُلُماتٌ). والظاهر أنه لا يجوز لعدم المسوغ فيه للابتداء بالنكرة إلّا إن قدرت صفة محذوفة أي ظلمات كثيرة أو عظيمة (بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ). وقرأ البزي (سَحابٌ ظُلُماتٌ) بالإضافة. وقرأ قنبل (سَحابٌ) بالتنوين (ظُلُماتٌ) بالجر بدلا من (ظُلُماتٌ) و (بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ) مبتدأ وخبر في موضع الصفة لكظلمات.

قال الحوفي : ويجوز على رفع (ظُلُماتٌ) أن يكون (بَعْضُها) بدلا منها ، وهو لا يجوز من جهة المعنى لأن المراد والله أعلم الأخبار بأنها ظلمات ، وأن بعض تلك الظلمات فوق بعض أي هي ظلمات متراكمة وليس على الأخبار بأن بعض ظلمات فوق بعض من غير إخبار بأن تلك الظلمات السابقة ظلمات متراكمة. وتقدم الكلام في كاد إذا دخل عليها حرف نفي مشبعا في البقرة في قوله (وَما كادُوا يَفْعَلُونَ) (١) فأغنى عن إعادته ، والمعنى هنا انتفاء مقاربة الرؤية ، ويلزم من ذلك انتفاء الرؤية ضرورة وقول من اعتقد زيادة يكد أو أنه يراها بعد عسر ليس بصحيح ، والزيادة قول ابن الأنباري وأنه لم يرها إلّا بعد الجهد قول المبرد والفراء.

وقال ابن عطية ما معناه : إذا كان الفعل بعد كاد منفيا دل على ثبوته نحو كاد زيد لا يقوم ، أو مثبتا دل على نفيه كاد زيد يقوم ، وإذا تقدم النفي على كاد احتمل أن يكون منفيا تقول : المفلوخ لا يكاد يسكن فهذا تضمن نفي السكون. وتقول : رجل منصرف لا يكاد يسكن فهذا تضمن إيجاب السكون بعد جهد انتهى. والظاهر أن هذا التشبيه الثاني هو تشبيه أعمال الكفار بهذه الظلمات المتكاثفة من غير مقابلة في المعنى بأجزائه لا جزاء المشبه.

قال الزمخشري : وشبهها يعني أعماله في ظلمتها وسوادها لكونا باطلة ، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لجج البحر والأمواج والسحاب ، ومنهم من لاحظ التقابل فقال : الظلمات الأعمال الفاسدة والمعتقدات الباطلة. والبحر اللجيّ صدر الكافر وقلبه ، والموج الضلال والجهالة التي غمرت قلبه والفكر المعوجة والسحاب شهوته في الكفر وإعراضه عن الإيمان.

وقال الفراء : هذا مثل لقلب الكافر أي إنه يعقل ولا يبصر. وقيل الظلمات أعماله والبحر هواه. القيعان القريب الغرق فيه الكثير الخطر ، والموج ما يغشى قلبه من

__________________

(١) سورة البقرة : ٢ / ٧١.

٥٤

جهل وغفلة ، والموج الثاني ما يغشاه من شك وشبهة ، والسحاب ما يغشاه من شرك وحيرة فيمنعه من الاهتداء على عكس ما في مثل نور الدين انتهى. والتفسير بمقابلة الأجزاء شبيه بتفسير الباطنية ، وعدول عن منهج كلام العرب.

ولما شبه أعمال الكفار بالظلمات المتراكمة وذكر أنه لا يكاد يرى اليد من شدة الظلمة قال (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً) أي من لم ينور قلبه بنور الإيمان ويهده إليه فهو في ظلمة ولا نور له ، ولا يهتدي أبدا. وهذا النور هو في الدنيا. وقيل : هو في الآخرة أي من لم ينوره الله بعفوه ويرحمه برحمته فلا رحمة له ، وكونه في الدنيا أليق بلفظ الآية وأيضا فذلك متلازم لأن نور الآخرة هو لمن نور الله قلبه في الدنيا. وقال الزمخشري : ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل الصالح أو كونهما مرتقبين ، ألا ترى إلى قوله (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) (١) وقوله (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) (٢) انتهى. وهو على طريقة الاعتزال.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤) وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)

لما ذكر تعالى مثل المؤمن والكافر وأن الإيمان والضلال أمرهما راجع إليه أعقب بذكر الدلائل على قدرته وتوحيده ، والظاهر حمل التسبيح على حقيقته وتخصيص (مَنْ)

__________________

(١) سورة العنكبوت : ٢٩ / ٦٩.

(٢) سورة إبراهيم : ١٤ / ٢٧.

٥٥

في قوله ومن في الأرض بالمطيع لله تعالى من الثقلين. وقيل : (مَنْ) عام لكل موجود غلب من يعقل على ما لا يعقل ، فأدرج ما لا يعقل فيه ويكون المراد بالتسبيح دلالته بهذه الأشياء على كونه تعالى منزها عن النقائص موصوفا بنعوت الكمال. وقيل : المراد بالتسبيح التعظيم فمن ذي الدين بالنطق والصلاة ومن غيرهم من مكلف وجماد بالدلالة ، فيكون ذلك قدرا مشتركا بينهما وهو التعظيم. وقال سفيان : تسبيح كل شيء بطاعته وانقياده.

(وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) أي صفت أجنحتها في الهواء للطيران ، وإنما خص الطير بالذكر لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت فهي خارجة من جملة (مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) حالة طيرانها. وقرأ الجمهور (وَالطَّيْرُ) مرفوعا عطفا على (مَنْ) و (صَافَّاتٍ) نصب على الحال. وقرأ الأعرج (وَالطَّيْرُ) بالنصب على أنه مفعول معه. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع (وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ) برفعهما مبتدأ وخبر تقديره يسبحن. قيل : وتسبيح الطير حقيقي قاله الجمهور. قال الزمخشري : ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. وقال الحسن وغيره : هو تجوّز إنما تسبيحه ظهور الحكمة فيه فهو لذلك يدعو إلى التسبيح.

(كُلٌ) أي كل ممن ذكر ، فيشمل الطير والظاهر أن الفاعل المستكن في (عَلِمَ) وفي (صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) عائد على (كُلٌ) وقاله الحسن قال : فهو مثابر عليهما يؤديهما. وقال الزجاج : الضمير في (عَلِمَ) وفي (صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) لكل. وقيل : الضمير في (عَلِمَ) لكل وفي (صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) لله أي صلاة الله وتسبيحه اللذين أمر بهما وهدى إليهما ، فهذه إضافة خلق إلى خالق. وقال مجاهد : الصلاة للبشر والتسبيح لما عداهم.

وقرأ الحسن وعيسى وسلام وهارون عن أبي عمر وتفعلون بتاء الخطاب ، وفيه وعيد وتخويف. (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) إخبار بأن جميع المخلوقات تحت ملكه يتصرف فيهم بما يشاء تصرف القاهر الغالب. وإليه (الْمَصِيرُ) أي إلى جزائه من ثواب وعقاب. وفي ذلك تذكير وتخويف.

ولما ذكر انقياد من في السموات والأرض والطير إليه تعالى وذكر ملكه لهذا العالم وصيرورتهم إليه أكد ذلك بشيء عجيب من أفعاله مشعر بانتقال من حال إلى حال. وكان عقب قوله وإليه المصير فاعلم بانتقال إلى المعاد فعطف عليه ما يدل على تصرفه في نقل الأشياء من حال إلى حال ومعنى (يُزْجِي) يسوق قليلا قليلا ويستعمل في سوق الثقيل برفق كالسحاب والإبل ، والسحاب اسم جنس واحده سحابة ، والمعنى يسوق سحابة إلى

٥٦

سحابة. (ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ) أي بين أجزائه لأنه سحابة تتصل بسحابة فجعل ذلك ملتئما بتأليف بعض إلى بعض. وقرأ ورش يولف بالواو ، وباقي السبعة بالهمز وهو الأصل. فيجعله (رُكاماً) أي متكاثفا يجعل بعضه إلى بعض ، وانعصاره بذلك (مِنْ خِلالِهِ) أي فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم والانعصار. والخلال : قيل مفرد. وقيل : جمع خلل كجبال وجبل. وقرأ ابن مسعود وابن عباس والضحاك ومعاذ العنبري عن أبي عمرو والزعفراني من خلله بالإفراد ، والظاهر أن في السماء جبالا من برد قاله مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين : خلقها الله كما خلق في الأرض جبالا من حجر. وقيل : جبال مجاز عن الكثرة لا أن في السماء جبالا كما تقول : فلان يملك جبالا من ذهب ، وعنده جبال من العلم يريد الكثرة. قيل : أو هو على حذف حرف التشبيه.

و (السَّماءِ) السحاب أي (مِنَ السَّماءِ) التي هي جبال أي كجبال كقوله (حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً) (١) أي كنار قاله الزجاج ، فجعل السماء هو السحاب المرتفع سمي بذلك لسموه وارتفاعه. وعلى القول الأول المراد بالسماء الجسم الأزرق المخصوص وهو المتبادر للذهن ، ومن استعماله الجبال في الكثرة مجازا قول ابن مقبل :

إذا مت عن ذكر القوافي فلن

ترى لها شاعرا مني أطلب وأشعرا

وأكثر بيتا شاعرا ضربت له

بطون جبال الشعر حتى تيسرا

واتفقوا على أن (مِنْ) الأولى لابتداء الغاية. وأما (مِنْ جِبالٍ). فقال الحوفي : هي بدل من (السَّماءِ) ثم قال : وهي للتبعيض ، وهذا خطأ لأن الأولى لابتداء الغاية في ما دخلت عليه ، وإذا كانت الثانية بدلا لزم أن يكون مثلها لابتداء الغاية ، لو قلت : خرجت من بغداد من الكرخ لزم أن يكونا معا لابتداء الغاية. وقال الزمخشري وابن عطية : هي للتبعيض فيكون على قولهما في موضع المفعول لينزل. قال الحوفي والزمخشري : والثانية للبيان انتهى. فيكون التقدير وينزل من السماء بعض جبال فيها التي هي البرد فالمنزل برد لأن بعض البرد برد فمفعول (يُنَزِّلُ مِنْ جِبالٍ).

قال الزمخشري : أو الأولان للابتداء والأخيرة للتبعيض ، ومعناه أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها انتهى. فيكون (مِنْ جِبالٍ) بدلا (مِنَ السَّماءِ).

وقيل : (مِنْ) الثانية والثالثة زائدتان وقاله الأخفش ، وهما في موضع نصب عنده

__________________

(١) سورة الكهف : ١٨ / ٩٦.

٥٧

كأنه قال : وينزل من السماء جبالا فيها أي في السماء بردا وبردا بدل أي برد جبال. وقال الفراء : هما زائدتان أي جبالا فيها برد لا حصى فيها ولا حجر ، أي يجتمع البرد فيصير كالجبال على التهويل فبرد مبتدأ وفيها خبره. والضمير في (فِيها) عائد على الجبال أو فاعل بالجار والمجرور لأنه قد اعتمد بكونه في موضع الصفة لجبال. وقيل : (مِنْ) الأولى والثانية لابتداء الغاية ، والثالثة زائدة أي (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ) السماء بردا. وقال الزجاج : معناه (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ) برد فيها كما تقول : هذا خاتم في يدي من حديد ، أي خاتم حديد في يدي ، وإنما جئت في هذا وفي الآية بمن لما فرقت ، ولأنك إذا قلت : هذا خاتم من حديد كان المعنى واحدا انتهى. فعلى هذا يكون (مِنْ بَرَدٍ) في موضع الصفة لجبال ، كما كان من في من حديد صفة لخاتم ، فيكون في موضع جر ويكون مفعول (يُنَزِّلُ) هو (مِنْ جِبالٍ) وإذا كانت الجبال (مِنْ بَرَدٍ) لزم أن يكون المنزل بردا. والظاهر إعادة الضمير في (بِهِ) على البرد ، ويحتمل أن يكون أريد به الودق والبرد وجرى في ذلك مجرى اسم الإشارة. وكأنه قال : فيصيب بذلك والمطر هو أعم وأغلب في الإصابة والصرف أبلغ في المنفعة والامتنان.

وقرأ الجمهور (سَنا) مقصورا (بَرْقِهِ) مفردا. وقرأ طلحة بن مصرف سناء ممدودا (بَرْقِهِ) بضم الباء وفتح الراء جمع برقه بضم الباء ، وهي المقدار من البرق كالغرفة واللقمة ، وعنه بضم الباء والراء اتبع حركة الراء لحركة الباء كما اتبعت في (ظُلُماتٌ) وأصلها السكون. والسناء بالمدّ ارتفاع الشأن كأنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان ، فإن ذلك صيب لا يحس به بصر. وقرأ الجمهور (يَذْهَبُ) بفتح الياء والهاء وأبو جعفر (يَذْهَبُ) بضم الياء وكسر الهاء. وذهب الأخفش وأبو حاتم إلى تخطئة أبي جعفر في هذه القراءة قالا : لأن الياء تعاقب الهمزة وليس بصواب لأنه لم يكن ليقرأ إلّا بما روي. وقد أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أبيّ وغيره ، ولم ينفرد بها أبو جعفر بل قرأه شيبة كذلك وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار. وعلى أن الباء بمعنى من والمفعول محذوف تقديره يذهب النور من الأبصار كما قال :

شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

يريد من برد. وتقليب الليل والنهار آيتان أحدهما بعد الآخر أو زيادة هذا وعكسه ، أو يغير النهار بظلمة السحاب مرة وضوء الشمس أخرى ، ويغير الليل باشتداد ظلمته مرة وضوء

٥٨

القمر أخرى ، أو باختلاف ما يقدر فيهما من الخير والنفع والشدة والنعمة والأمن ومقابلاتها ونحو ذلك أقوال أربعة إن في ذلك إشارة إلى ما تقدم من الدلائل الدالة على وحدانيته من تسبيح من ذكر وتسخير السحاب ، وما يحدثه تعالى فيه من أفعاله حتى ينزل المطر فيقسم رحمته بين خلقه وإراءتهم البرق في السحاب الذي يكاد يخطف الأبصار ويقلب الليل والنهار.

(لَعِبْرَةً) أي اتّعاظا. وخص أولو الأبصار بالاتّعاظ لأن البصر والبصيرة إذا استعملا وصلا إلى إدراك الحق كقوله (إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ) (١).

وقرأ الجمهور (خَلَقَ) فعلا ماضيا. (كُلَ) نصب. وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب والأعمش خالق اسم فاعل مضاف إلى (كُلَ). والدابة : ما يحرك أمامه قدما ويدخل فيه الطير. قال الشاعر :

دبيب قطا البطحاء في كل منهل

والحوت وفي الحديث : «دابة من البحر مثل الظرب». واندرج في (كُلَّ دَابَّةٍ) المميز وغيره ، فسهل التفصيل بمن التي لمن يعقل وما لا يعقل إذا كان مندرجا في العام ، فحكم له بحكمه كان الدواب كلهم مميزون. والظاهر أن (مِنْ ماءٍ) متعلق بخلق. و (مِنْ) لابتداء الغاية ، أي ابتداء خلقها من الماء. فقيل : لما كان غالب الحيوان مخلوقا من الماء لتولده من النطفة أو لكونه لا يعيش إلّا بالماء أطلق لفظ (كُلَ) تنزيلا للغالب منزلة العام ، ويخرج عما خلق من ماء ما خلق من نور وهم الملائكة ، ومن نار وهم الجنّ ، ومن تراب وهو آدم. وخلق عيسى من الروح وكثير من الحيوان لا يتولد من نطفة. وقيل (كُلَّ دَابَّةٍ) على العموم في هذه الأشياء كلها وإن أصل جميع المخلوقات الماء ، فروي أن أول ما خلق الله جوهرة فنظر إليها بعين الهيبة فصارت ماء ، ثم خلق من ذلك الماء النار والهواء والنور ، ولما كان المقصود من هذه الآية بيان أصل الخلقة وكان الأصل الأول هو الماء قال : (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ). وقال القفال : ليس (مِنْ ماءٍ) متعلقا بخلق وإنما هو في موضع الصفة لكل دابة ، فالمعنى الإخبار أنه تعالى خلق كل دابة متولدة من الماء أي متولدة من الماء مخلوقة لله تعالى. ونكر الماء هنا وعرف في (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ) (٢) لأن المعنى هنا (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ) من نوع من الماء مختص بهذه الدابة ، أو (مِنْ

__________________

(١) سورة الرعد : ١٣ / ١٩.

(٢) سورة الأنبياء : ٢١ / ٣٠.

٥٩

ماءٍ) مخصوص وهو النطفة ، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة هوامّ وبهائم وناس كما قال (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) (١) وهنا قصد أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء ، وذلك أنه هو الأصل وإن تخللت بينها وبينه وسائط كما قيل : إن أصل النور والنار والتراب الماء.

وسمي الزحف على البطن مشيا لمشاكلته ما بعده من ذكر الماشين أو استعارة ، كما قالوا : قد مشى هذا الأمر وما يتمشى لفلان أمر ، كما استعاروا المشفر للشفة والشفة للجحفلة. والماشي (عَلى بَطْنِهِ) الحيات والحوت ونحو ذلك من الدود وغيره. و (عَلى رِجْلَيْنِ) الإنسان والطير والأربع لسائر حيوان الأرض من البهائم وغيرها ، فإن وجد من له أكثر من أربع. فقيل : اعتماده إنما هو على أربع ولا يفتقر في مشيه إلى جميعها وقدم ما هو أعرف في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة مشى من له رجل وقوائم ، ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع. وفي مصحف أبيّ ومنهم من يمشي على أكثر ، فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان لكنه لم يثبت قرآنا ولعله ما أورده مورد قرآن بل تنبيها على أن الله خلق من يمشي على أكثر من أربع كالعنكبوت والعقرب والرتيلاء وذي أربع وأربعين رجلا وتسمى الاذن وهذا النوع لندوره لم يذكر.

(يَخْلُقُ اللهُ ما يَشاءُ) إشارة إلى أنه تعالى ما تعلقت به إرادة خلقه أنشأه واخترعه ، وفي ذلك تنبيه على كثرة الحيوان وأنها كما اختلفت بكيفية المشيء اختلفت بأمور أخر.

وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ

__________________

(١) سورة الرعد : ١٣ / ٤.

٦٠