البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

واعتسافهم وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ، ومجاوزة حد القصد فيه ، حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على حاتم ، ويبهتوا البريء ، ويفسقوا التقي. وقال ابن عباس : هو تقبيحهم الحسن ، وتحسينهم القبيح. (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) ، وذلك لغلوهم في أفانين الكلام ، ولهجهم بالفصاحة والمعاني اللطيفة ، قد ينسبون لأنفسهم ما لا يقع منهم. وقد درأ الحد في الخمر عمر بن الخطاب رضي‌الله‌عنه ، عن النعمان بن عدي ، في شعر قاله لزوجته حين احتج عليه بهذه الآية ، وكان قد ولاه بيسان ، فعزله وأراد أن يحده والفرزدق ، سليمان بن عبد الملك :

فبتن كأنهن مصرعات

وبت أفض أغلاق الختام

فقال له سليمان : لقد وجب عليك الحد ، فقال : لقد درأ الله عني الحدّ بقوله : (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ). أخبر تعالى عن الشعراء بالأحوال التي تخالف حال النبوة ، إذ أمرهم ، كما ذكر ، من اتباع الغواة لهم ، وسلوكهم أفانين الكلام من مدح الشيء وذمه ، ونسبة ما لا يقع منهم إليهم ، وذلك بخلاف حال النبوة ، فإنها طريقة واحدة ، لا يتبعها إلا الراشدون. دعوة الأنبياء واحدة ، وهي الدعاء إلى توحيد الله وعبادته ، والترغيب في الآخرة والصدق. هذا مع أن ما جاءوا به لا يمكن أن يجيء به غيرهم من ظهور المعجز. ولما كان ما سبق ذما للشعراء ، واستثنى منهم من اتصف بالإيمان والعمل الصالح والإكثار من ذكر الله ، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر ؛ وإذا نظموا شعرا كان في توحيد الله والثناء عليه وعلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وسلم وصحبه ، والموعظة والزهد والآداب الحسنة وتسهيل علم ، وكل ما يسوغ القول فيه شرعا فلا يتلطخون في قوله بذنب ولا منقصة. والشعر باب من الكلام ، حسنه حسن ، وقبيحه قبيح.

وقال رجل علوي لعمرو بن عبيد : إن صدري ليجيش بالشعر ، فقال : ما يمنعك منه فيما لا بأس به. وقيل : المراد بالمستثنين : حسان ، وعبد الله بن رواحة ، وكعب بن مالك ، وكعب بن زهير ، ومن كان ينافخ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقال عليه‌السلام لكعب بن مالك : «اهجهم فو الذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل». وقال لحسان : «قل وروح القدس معك» ، وهذا معنى قوله : (وَانْتَصَرُوا) : أي بالقول فيمن ظلمهم. وقال عطاء بن يسار وغيره : لما ذم الشعراء بقوله : (وَالشُّعَراءُ) الآية ، شق ذلك على حسان وابن رواحة وكعب بن مالك ، وذكروا ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام ، فنزلت آية الاستثناء بالمدينة ، وخص ابن زيد قوله : (وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً) ، فقال : أي في شعرهم. وقال ابن عباس : صار

٢٠١

خلقا لهم وعادة ، كما قال لبيد ، حين طلب منه شعره : إن الله أبدلني بالشعر القرآن خيرا منه. ولما ذكر : (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) ، توعد الظالمين هذا التوعد العظيم الهائل الصادع للأكباد وأبهم في قوله : (أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ).

ولما عهد أبو بكر لعمر رضي‌الله‌عنهما ، تلا عليه : (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) ، وكان السلف الصالح يتواعظون بها. والمفهوم من الشريعة أن الذين ظلموا هم الكفار. وقال الزمخشري : وتفسير الظلم بالكفر تعليل ، وكان ذكر قبل أن الذين ظلموا مطلق ، وهذا منه على طريق الاعتزال. وقرأ ابن عباس ، وابن أرقم ، عن الحسن : أي منفلت ينفلتون ، بفاء وتاءين ، معناه : إن الذين ظلموا يطمعون أن ينفلتوا من عذاب الله ، وسيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانفلات ، وهو النجاة. (وَسَيَعْلَمُ) هنا معلقة ، وأي منقلب : استفهام ، والناصب له ينقلبون ، وهو مصدر. والجملة في موضع المفعول لسيعلم. وقال أبو البقاء : أي منقلب مصدر نعت لمصدر محذوف ، والعامل ينقلبون انقلابا ، أي منقلب ، ولا يعمل فيه يعلم ، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله. انتهى. وهذا تخليط ، لأن أيا ، إذا وصف بها ، لم تكن استفهاما ، بل أي الموصوف بها قسم لأي المستفهم بها ، لا قسم. فأي تكون شرطية واستفهامية وموصولة ، ووصفا على مذهب الأخفش موصوفة بنكرة نحو : مررت بأي معجب لك ، وتكون مناداة وصلة لنداء ما فيه الألف واللام نحو : يا أيها الرجل. والأخفش يزعم أن التي في النداء موصولة. ومذهب الجمهور أنها قسم برأسه ، والصفة تقع حالا من المعرفة ، فهذه أقسام أي ؛ فإذا قلت : قد علمت أي ضرب تضرب ، فهي استفهامية ، لا صفة لمصدر محذوف.

٢٠٢

سورة النّمل

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤) أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)

٢٠٣

حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤) أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦) قالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ما ذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ

٢٠٤

أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١) فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)

الوزع : أصله الكف والمنع ، يقال : وزعه يزعه ، ومنه قول عثمان رضي‌الله‌عنه : «ما يزع السلطان أكثر مما يزع القرآن» ، وقول احسن : لا بد للقاضي من وزعة ، وقول الشاعر :

ومن لم يزعه لبه وحياؤه

فليس له من شيب فوديه وازع

النمل : جنس ، واحده نملة ، ويقال بضم الميم فيهما ، وبضم النون مع ضم الميم ، وسمي بذلك لكثرة تنمله ، وهو حركته. الحطم : الكسر ، قاله النحاس. التبسم : ابتداء الضحك ، وتفعل فيه بمعنى المجرد ، وهو بسم. قال الشاعر :

وتبسم عن ألمي كان منوّرا

تخلل حر الرمل دعص له ند

وقال آخر :

أبدى نواجذه لغير تبسم

التفقد : طلب ما فقدته وغاب عنك. الهدهد : طائر معروف ، وتصغيره على القياس هديهد ، وزعم بعضهم أن ياءه أبدلت ألفا في التصغير ، فقيل : هداهد. قال الشاعر :

كهداهد كسر الرماة جناحه

كما قالوا : دوابة وشوابة ، يريدون : دويبة وشويبة. سبأ : هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وهو يصرف ولا يصرف إذا صار اسما للحي والقبيلة ، أو البقعة التي تسمى مأرب

٢٠٥

سميت باسم الرجل. الخبء : الشيء المخبوء ، من خبأت الشيء خبأ : سترته ، وسمي المفعول بالمصدر. الهدية : ما سيق إلى الإنسان مما يتحف به على سبيل التكرمة. العفريت والعفر والعفرتة والعفارتة من الرجال : الخبيث المنكر الذي يعفر أقرانه ، ومن الشياطين : الخبيث المارد. قال الشاعر :

كأنه كوكب في إثر عفرية

مصوب في سواد الليل منقضب

الصرح : القصر ، أو صحن الدار ، أو ساحتها ، أو البركة ، أو البلاط المتخذ من القوارير ، أقوال تأتي في التفسير. الساق : معروف ، يجمع على أسوق في القلة ، وعلى سووق وسوق في الكثرة ، وهمزة لغة : الممرد : المملس ، ومنه الأمرد ، وشجرة مرداء : لا ورق عليها. القوارير : جمع قارورة.

(طس ، تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ ، هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ، أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ، وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ، إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ، فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ، يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ، وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ ، فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ ، وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ).

هذه السورة مكية بلا خلاف. ومناسبة أول السورة لآخر ما قبلها واضحة ، لأنه قال : (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) ، وقبله : (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، وقال هنا : (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ) : أي الذي هو تنزيل رب العالمين. وأضاف الآيات إلى القرآن والكتاب المبين على سبيل التفخيم لها والتعظيم ، لأن المضاف إلى العظيم عظيم. والكتاب المبين ، إما اللوح ، وإبانته أن قد خط فيه كل ما هو كائن فهو يبينه للناظرين ، وإما السورة ، وإما القرآن ، وإبانتهما أنهما يبينان ما أودعاه من العلوم والحكم والشرائع. وأن إعجازهما

٢٠٦

ظاهر مكشوف ونكر. (وَكِتابٍ مُبِينٍ) ، ليبهم بالتنكير ، فيكون أفخم له كقوله : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) (١). وإذا أريد به القرآن ، فعطفه من عطف إحدى الصفتين على الأخرى ، لتغايرهما في المدلول عليه بالصفة ، من حيث أن مدلول القرآن الاجتماع ، ومدلول كتاب الكتابة. وقيل : القرآن والكتاب اسمان علمان على المنزل على محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، فحيث جاء بلفظ التعريف ، فهو العلم ، وحيث جاء بوصف النكرة ، فهو الوصف ، وقيل : هما يجريان مجرى العباس ، وعباس فهو في الحالين اسم العلم. انتهى. وهذا خطأ ، إذ لو كان حاله نزع منه علما ، ما جاز أن يوصف بالنكرة. ألا ترى إلى قوله : (وَكِتابٍ مُبِينٍ) ، (وَقُرْآنٍ مُبِينٍ) (٢) ، وأنت لا تقول : مررت بعباس قائم ، تريد به الوصف؟ وقرأ ابن أبي عبلة : وكتاب مبين ، برفعهما ، التقدير : وآيات كتاب ، فحذف المضاف ، وأقيم المضاف إليه مقامه ، فأعرب بإعرابه. وهنا تقدم القرآن على الكتاب ، وفي الحجر عكسه ، ولا يظهر فرق ، وهذا كالمتعاطفين في نحو : ما جاء زيد وعمرو. فتارة يظهر ترجيح كقوله : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) (٣) ، وتارة لا يظهر كقوله : (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) (٤).

قال يحيى بن سلام : (هُدىً) إلى الجنة ، (وَبُشْرى) بالثواب. وقال الشعبي : هدى من الضلال ، وبشرى بالجنة ، وهدى وبشرى مقصوران ، فاحتمل أن يكونا منصوبين على الحال ، أي هادية ومبشرة. قيل : والعامل في الحال ما في تلك من معنى الإشارة ، واحتمل أن يكونا مصدرين ، واحتملا الرفع على إضمار مبتدأ. أي هي هدى وبشرى ؛ أو على البدل من آيات ؛ أو على خبر بعد خبر ، أي جمعت بين كونها آيات وهدى وبشرى. ومعنى كونها هدى للمؤمنين : زيادة هداهم. قال تعالى : (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (٥). وقيل : هدى لجميع الخلق ، ويكون الهدى بمعنى الدلالة والإرشاد والتبيين ، لا بمعنى تحصيل الهدى الذي هو مقابل الضلال. (وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ) خاصة ، وقيل : هدى للمؤمنين وبشرى للمؤمنين ، وخصهم بالذكر لانتفاعهم به.

(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) : تحتمل هذه الجملة أن تكون معطوفة على صلة (الَّذِينَ). ولما كان : (يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ) مما يتجدد ولا يستغرق الأزمان ، جاءت

__________________

(١) سورة القمر : ٥٤ / ٥٥.

(٢) سورة الحجر : ١٥ / ١.

(٣) سورة آل عمران : ٣ / ١٨.

(٤) سورة الأعراف : ٧ / ١٦١.

(٥) سورة التوبة : ٩ / ١٢٤.

٢٠٧

الصلة فعلا. ولما كان الإيمان بالآخرة بما هو ثابت عندهم مستقر الديمومة ، جاءت الجملة اسمية ، وأكدت المسند إليه فيها بتكراره ، فقيل : (هُمْ يُوقِنُونَ) وجاء خبر المبتدأ فعلا ليدل على الديمومة ، واحتمل أن تكون الجملة استئناف إخبار. قال الزمخشري : ويحتمل أن تتم الصلة عنده ، أي عند قوله : (وَهُمْ) ، قال : وتكون الجملة اعتراضية ، كأنه قيل : وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة هم الموقنون بالآخرة ، وهو الوجه ، ويدل عليه أنه عقد جملة ابتدائية وكرر فيها المبتدأ الذي هو هم ، حتى صار معناها : وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل الصالح ، لأن خوف العاقبة يحملهم على تحمل المشاق. انتهى. وقوله : وتكون الجملة اعتراضية ، هو على غير اصطلاح النحاة في الجملة الاعتراضية من كونها لا تقع إلا بين شيئين متعلق بعضهما ببعض ، كوقوعها بين صلة وموصولة ، وبين جزأي إسناد ، وبين شرط وجزائه ، وبين نعت ومنعوت ، وبين قسم ومقسم عليه ، وهنا ليست واقعة بين شيئين مما ذكر وقوله إلخ. حتى صار معناها فيه دسيسة الاعتزال. وقال ابن عطية : والزكاة هنا يحتمل أن تكون غير المفروضة ؛ لأن السورة مكية قديمة ، ويحتمل أن تكون المفروضة من غير تفسير. وقيل : الزكاة هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق. انتهى.

ولما ذكر تعالى المؤمنين الموقنين بالبعث ، ذكر المنكرين والإشارة إلى قريش ومن جرى مجراهم في إنكار البعث. والأعمال ، إما أن تكون أعمال الخير والتوحيد التي كان الواجب عليهم أن تكون أعمالهم ، فعموا عنها وتردّدوا وتحيروا ، وينسب هذا القول إلى الحسن البصري ؛ أو أعمال الكفر والضلال ، فيكون تعالى قد حبب ذلك إليهم وزينه بأن خلقه في نفوسهم ، فرأوا تلك الأعمال القبيحة حسنة. وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف أسند تزين أعمالهم إلى ذاته ، وأسنده إلى الشيطان في قوله : (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ) (١)؟ قلت : بين الإسنادين فرق ، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة ، وإسناده إلى الله تعالى مجاز ، وله طريقان في علم البيان : أحدهما : أن يكون من المجاز الذي يسمى الاستعارة. والثاني : أن يكون من المجاز المحكي.

فالطريق الأول : أنه لما متعهم بطول العمر وسعة الرزق ، وجعلوا إنعام الله عليهم بذلك وإحسانه إليهم ذريعة إلى اتباع شهواتهم وبطرهم وإيثارهم الترفه ونفارهم عما يلزمهم فيه التكاليف الصعبة والمشاق المتعبة ، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم ، وإليه إشارة

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧ / ٢٤ ، وسورة العنكبوت : ٢٩ / ٣٨.

٢٠٨

الملائكة بقولهم : (وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ) (١). والطريق الثاني : أن إمهاله الشيطان وتخليته حتى يزين لهم ملابسة ظاهرة للتزيين فأسند إليه ، لأنه المختار المحكي ببعض الملابسات. انتهى ، وهو تأويل على طريق الاعتزال.

(أُوْلئِكَ) : إشارة إلى منكري البعث ، و (سُوءُ الْعَذابِ) : الظاهر أنه ليس مقيدا بالدنيا ، بل لهم ذلك في الدنيا والآخرة. وقيل : المعنى في الدنيا ، وفسر بما نالهم يوم بدر من القتل والأسر والنهب. وقيل : ما ينالونه عند الموت وما بعده من عذاب القبر. وسوء العذاب : شدته وعظمه. والظاهر أن (الْأَخْسَرُونَ) أفعل التفضيل ، وذلك أن الكافر خسر الدنيا والآخرة ، كما أخبر عنه تعالى ، وهو في الآخرة أكثر خسرانا ، إذ مآله إلى عقاب دائم. وأما في الدنيا ، فإذا أصابه بلاء ، فقد يزول عنه وينكشف. فكثرة الخسران وزيادته ، إنما ذلك له في الآخرة ، وقد ترتب الأكثرية ، وإن كان المسند إليه واحدا بالنسبة إلى الزمان والمكان ، أو الهيئة ، أو غير ذلك مما يقبل الزيادة. وقال الكرماني : أفعل هنا للمبالغة لا للشركة ، كأنه يقول : ليس للمؤمن خسران البتة حتى يشركه فيه الكافر ويزيد عليه ، وقد بينا كيفية الاشتراك بالنسبة إلى الدنيا والآخرة. وقال ابن عطية : والأخسرون جمع أخسر ، لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف ، فتقوى رتبته في الأسماء ، وفي هذا نظر. انتهى. ولا نظر في كونه يجمع جمع سلامة وجمع تكسير. إذا كان بأل ، بل لا يجوز فيه إلا ذلك ، إذا كان قبله ما يطابقه في الجمعية فيقول : الزيدون هم الأفضلون ، والأفاضل ، والهندات هنّ الفضليات والفضل. وأما قوله : لا يجمع إلا أن يضاف ، فلا يتعين إذ ذاك جمعه ، بل إذا أضيف إلى نكرة فلا يجوز جمعه ، وإن أضيف إلى معرفة جاز فيه الجمع والإفراد على ما قرر ذلك في كتب النحو.

ولما تقدم : (تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ) ، خاطب نبيه بقوله : (وَإِنَّكَ) ، أي هذا القرآن الذي تلقيته هو من عند الله تعالى ، وهو الحكيم العليم ، لا كما ادعاه المشركون من أنه إفك وأساطير وكهانة وشعر ، وغير ذلك من تقوّلاتهم. وبنى الفعل للمفعول ، وحذف الفاعل ، وهو جبريل عليه‌السلام ، للدلالة عليه في قوله : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (٢). ولقي يتعدى إلى واحد ، والتضعيف فيه للتعدية ، فيعدى به إلى اثنين ، وكأنه كان غائبا عنه فلقيه فتلقاه. قال ابن عطية : ومعناه يعطي ، كما قال : (وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (٣).

__________________

(١) سورة الفرقان : ٢٥ / ١٨.

(٢) سورة الشعراء : ٢٦ / ١٩٣.

(٣) سورة فصلت : ٤١ / ٣٥.

٢٠٩

وقال الحسن : المعنى وإنك لتقبل القرآن. وقيل : معناه تلقن. والحكمة : العلم بالأمور العملية ، والعلم أعم منه ، لأنه يكون عمليا ونظريا ، وكمال العلم : تعلقه بكل المعلومات وبقاؤه مصونا عن كل التغيرات ، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى. وهذه الآية تمهيد لما يخبر به من المغيبات وبيان قصص الأمم الخالية ، مما يدل على تلقيه ذلك من جهة الله ، وإعلامه بلطيف حكمته دقيق علمه تعالى. قيل : وانتصب (إِذْ) باذكر مضمرة ، أو بعليم ؛ وليس انتصابه بعليم واضحا ، إذ يصير الوصف مقيدا بالمعمول.

وقد تقدم طرف من قصة موسى عليه‌السلام في رحلته بأهله من مدين : في سورة طه ، وظاهر أهله جمع لقوله : (سَآتِيكُمْ) و (تَصْطَلُونَ) ، وروي أنه لم يكن معه غير امرأته. وقيل : كانت ولدت له ، وهو عند شعيب ، ولدا ، فكان مع أمه. فإن صح هذا النقل ، كان من باب خطاب الجمع على سبيل الإكرام والتعظيم. وكان الطريق قد اشتبه عليه ، والوقت بارد ، والسير في ليل ، فتشوقت نفسه ، إذ رأى النار إلى زوال ما لحق من إضلال الطريق وشدة البرد فقال : (سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) : أي من موقدها بخبر يدل على الطريق ، (أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ) : أي إن لم يكن هناك من يخبر ، فإني أستصحب ما تدفؤون به منها. وهذا الترديد بأو ظاهر ، لأنه كان مطلوبه أولا أن يلقي على النار من يخبره بالطريق ، فإنه مسافر ليس بمقيم. فإن لم يكن أحد ، فهو مقيم ، فيحتاجون لدفع ضرر البرد ، وهو أن يأتيهم بما يصطلون ، فليس محتاجا للشيئين معا ، بل لأحدهما الخبر إن وجد من يخبره فيرحل ، أو الاصطلاء إن لم يجد وأقام. فمقصوده إما هداية الطريق ، وإما اقتباس النار ، وهو معنى قوله : (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً) (١).

وجاء هنا : (سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) ، وهو خبر ، وفي طه : (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ) (٢) ، وفي القصص : (لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ) (٣) ، وهو ترج ، ومعنى الترجي مخالف لمعنى الخبر. ولكن الرجاء إذا قوي ، جاز للراجي أن يخبر بذلك ، وإن كانت الخيبة يجوز أن تقع. وأتى بسين الاستقبال ، إما لأن المسافة كانت بعيدة ، وإما لأنه قد يمكن أن يبطىء لما قدر أنه قد يعرض له ما يبطئه. والشهاب : الشعلة ، والقبس : النار المقبوسة ، فعل بمعنى مفعول ، وهو القطعة من النار في عود أو غيره ، وتقدم ذلك في طه. وقرأ الكوفيون : بشهاب منونا ، فقبس بدل أو صفة ، لأنه بمعنى المقبوس. وقرأ باقي

__________________

(١) سورة طه : ٢٠ / ١٠.

(٢) سورة طه : ٢٠ / ١٠.

(٣) سورة القصص : ٢٨ / ٢٩.

٢١٠

السبعة : بالإضافة ، وهي قراءة الحسن. قال الزمخشري : أضاف الشهاب إلى القبس ، لأنه يكون قبسا وغير قبس ، واتبع في ذلك أبا الحسن. قال أبو الحسن : الإضافة أجود وأكثر في القراءة ، كما تقول : دار آجر ، وسوار ذهب. والظاهر أن الضمير في (جاءَها) عائد على النار ، وقيل : على الشجرة ، وكان قد رآها في شجرة سمر خضراء. وقيل : عليق ، وهي لا تحرقها ، كلما قرب منها بعدت. و (نُودِيَ) المفعول الذي لم يسم فاعله ، الظاهر أنه ضمير عائد على موسى عليه‌السلام. و (أَنْ) على هذا يجوز أن تكون مفسرة لوجود شرط المفسرة فيها ، ويجوز أن تكون مصدرية. أما الثنائية التي تنصب المضارع ، وبورك صلة لها ، والأصل حرف الجر ، أي بأن بورك ، وبورك خبر. وأما المخففة من الثقيلة فأصلها حرف الجر. وقال الزمخشري : فإن قلت : هل يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة ، وتقديره بأنه بورك ، والضمير ضمير الشأن والقصة؟ قلت : لا ، لأنه لا بد من قد. فإن قلت : فعلى إضمارها؟ قلت : لا يصح ، لأنها علامة ولا تحذف. انتهى. ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة ، وبورك فعل دعاء ، كما تقول : بارك الله فيك. وإذا كان دعاء ، لم يجز دخول قد عليه ، فيكون كقوله تعالى : (وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها) (١) في قراءة من جعله فعلا ماضيا ، وكقول العرب : إما أن جزاك الله خيرا ، وإما أن يغفر الله لك ، وكان الزمخشري بنى ذلك على (أَنْ بُورِكَ) خبر لا دعاء ، فلذلك لم يجز أن تكون مخففة من الثقيلة ، وأجاز الزجاج أن تكون (أَنْ بُورِكَ) في موضع المفعول الذي لم يسم فاعله ، وهو على إسقاط الخافض ، أي نودي بأن بورك ، كما تقول : نودي بالرخص. ويجوز أن تكون أن الثنائية ، أو المخففة من الثقيلة ، فيكون بورك دعاء. وقيل : المفعول الذي لم يسم فاعله هو ضمير النداء ، أي نودي هو ، أي النداء ، ثم فسر بما بعده. وبورك معناه : قدّس وطهر وزيد خيره ، ويقال : باركك الله ، وبارك فيك ، وبارك عليك ، وبارك لك. وقال الشاعر :

فبوركت مولودا وبوركت ناشئا

وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب

وقال آخر :

بورك الميت الغريب كما

بورك نبع الرمان والزيتون

وقال عبد الله بن الزبير :

فبورك في بنيك وفي بنيهم

إذا ذكروا ونحن لك الفداء

__________________

(١) سورة النور : ٢٤ / ٩.

٢١١

و (مَنْ) : المشهور أنها لمن يعلم ، فقال ابن عباس ، وابن جبير ، والحسن وغيرهم : أراد تعالى بمن في النار ذاته ، وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أول على حذف ، أي بورك من قدرته وسلطانه في النار. وقيل لموسى عليه‌السلام : أي بورك من في المكان أو الجهة التي لاح له فيها النار. وقال السدّي : من للملائكة الموكلين بها. وقيل : من تقع هنا على ما لا يعقل. فقال ابن عباس : أراد النور. وقيل : الشجرة التي تتقد فيها النار. وقيل : والظاهر في (وَمَنْ حَوْلَها) أنه لمن يعلم تفسير (يا مُوسى) ، وفسر بالملائكة ، ويدل عليه قراءة أبي ؛ فيما نقل أبو عمرو الداني : وابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ؛ ومن حولها من الملائكة ، وتحمل هذه القراءة على التفسير ، لأنها مخالفة لسواد المصحف المجمع عليه ، وفسر أيضا بموسى والملائكة عليهم‌السلام معا. وقيل : تكون لما لا يعقل ، وفسر بالأمكنة التي حول النار ؛ وجدير أن يبارك من فيها ومن حواليها إذا حدث أمر عظيم ، وهو تكليم الله لموسى عليه‌السلام ؛ وتنبيئه وبدؤه بالنداء بالبركة تبشير لموسى وتأنيس له ومقدمة لمناجاته.

والظاهر أن قوله : (وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) داخل تحت قوله : (نُودِيَ).

لما نودي ببركة من ذكر ، نودي أيضا بما يدل على التنزيه والبراءة من صفات المحدثين مما عسى أن يخطر ببال ، ولا سيما إن حمل من في النار على تفسير ابن عباس أن من أريد به الله تعالى ، فإن ذلك دال على التحيز ، فأتى بما يقتضي التنزيه. وقال السدّي : هو من كلام موسى ، لما سمع النداء قال : (وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) تنزيها لله تعالى عن سمات المحدثين. وقال ابن شجرة : هو من كلام الله ، ومعناه : وبورك من سبح الله ، وهذا بعيد من دلالة اللفظ. وقيل : (وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهو اعتراض بين الكلامين ، والمقصود به التنزيه.

ولما آنسه تعالى ، ناداه وأقبل عليه فقال : (يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). والظاهر أن الضمير في إنه ضمير الشأن ، وأنا الله : جملة في موضع الخبر ، والعزيز الحكيم : صفتان ، وأجاز الزمخشري أن يكون الضمير في إنه راجعا إلى ما دل عليه ما قبله ، يعني : إن مكلمك أنا ، والله بيان لأنا ، والعزيز الحكيم صفتان للبيان. انتهى. وإذا حذف الفاعل وبني الفعل للمفعول ، فلا يجوز أن يعود الضمير على ذلك المحذوف ، إذ قد غير الفعل عن بنائه له ، وعزم على أن لا يكون محدثا عنه. فعود الضمير إليه مما ينافي ذلك ، إذ يصير مقصودا معتنى به ، وهذا النداء والإقبال والمخاطبة تمهيد لما أراد الله تعالى

٢١٢

أن يظهره على يده من المعجز ، أي أنا القوي القادر على ما يبعد في الأوهام ، الفاعل ما أفعله بالحكمة. وقال الزمخشري : فإن قلت : علام عطف قوله : (وَأَلْقِ عَصاكَ)؟ قلت : على بورك ، لأن المعنى : (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ). وقيل له : ألق عصاك ، والدليل على ذلك قوله : (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ) (١) ، بعد قوله : (أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ) (٢) ، على تكرير حرف التفسير ، كما تقول : كتبت إليه أن حج واعتمر ، وإن شئت أن حج وأن اعتمر. انتهى. وقوله : (إِنَّهُ) ، معطوف على بورك مناف لتقديره. وقيل له : ألق عصاك ، لأن هذه جملة معطوفة على بورك ، وليس جزؤها الذي هو. وقيل : معطوفا على بورك ، وإنما احتيج إلى تقدير. وقيل له : ألق عصاك ، لتكون الجملة خبرية مناسبة للجملة الخبرية التي عطفت عليها ، كأنه يرى في العطف تناسب المتعاطفين ، والصحيح أنه لا يشترط ذلك ، بل قوله : (وَأَلْقِ عَصاكَ) معطوف على قوله : (إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، عطف جملة الأمر على جملة الخبر. وقد أجاز سيبويه : جاء زيد ومن عمرو.

(فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ) : ثم محذوف تقديره : فألقاها من يده. وقرأ الحسن ، والزهري ، وعمرو بن عبيد : جأن ، بهمزة مكان الألف ، كأنه فر من التقاء الساكنين ؛ وقد تقدم الكلام في نحو ذلك في قوله : ولا الضألين ، بالهمز في قراءة عمرو بن عبيد. وجاء : (فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ) (٣) ، (فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) (٤) ، وهذا إخبار من الله بانقلابها وتغيير أوصافها وإعراضها ، وليس إعداما لذاتها وخلقها لحية وثعبان ، بل ذلك من تغيير الصفات لا تغيير الذات. وهنا شبهها حالة اهتزازها بالجان ، فقيل : وهو صغار الحيات ، شبهها بها في سرعة اضطرابها وحركتها ، مع عظم جثتها. ولما رأى موسى هذا الأمر الهائل ، (وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ). قال مجاهد : ولم يرجع. وقال السدّي : لم يمكث. وقال قتادة : ولم يلتفت ، يقال : عقب الرجل : توجه إلى شيء كان ولى عنه ، كأنه انصرف على عقبيه ، ومنه : عقب المقاتل ، إذا كر بعد الفرار. قال الشاعر :

فما عقبوا إذ قيل هل من معقب

ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا

ولحقه ما لحق طبع البشرية إذا رأى الإنسان أمرا هائلا جدا ، وهو رؤية انقلاب العصا حية تسعى ، ولم يتقدمه في ذلك تطمين إليه عند رؤيتها. قال الزمخشري : وإنما رغب لظنه أن

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ٣١.

(٢) سورة القصص : ٢٨ / ٣٠.

(٣) سورة طه : ٢٠ / ١٩.

(٤) سورة الأعراف : ٧ / ١٠٧ ، وسورة الشعراء : ٢٦ / ٣٢.

٢١٣

ذلك لأمر أريد به ، ويدل عليه : (إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ). انتهى. وقال ابن عطية : وناداه الله تعالى مؤنسا ومقويا على الأمر : (يا مُوسى لا تَخَفْ) ، فإن رسلي الذين اصطفيتم للنبوة لا يخافون غيري. فأخذ موسى عليه‌السلام الحية ، فرجعت عصا ، ثم صارت له عادة. انتهى. وقيل : المعنى لا يخاف المرسلون في الموضع الذي يوحى إليه فيه ، وهم أخوف الناس من الله. وقيل : إذا أمرتهم بإظهار معجز ، فينبغي أن لا يخافوا فيما يتعلق بإظهار ذلك ، فالمرسل يخاف الله لا محالة. انتهى.

والأظهر أن قوله : (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) ، استثناء منقطع ، والمعنى : لكن من ظلم غيرهم ، قاله الفراء وجماعة ، إذ الأنبياء معصومون من وقوع الظلم الواقع من غيرهم. وعن الفراء : إنه استثناء متصل من جمل محذوفة ، والتقدير : وإنما يخاف غيرهم إلا من ظلم. ورده النحاس وقال : الاستثناء من محذوف محال ، لو جاز هذا لجاز أن لا يضرب القوم إلا زيدا ، بمعنى : وإنما أضرب غيرهم إلا زيدا ، وهذا ضد البيان والمجيء بما لا يعرف معناه. انتهى. وقالت فرقة : إلا بمعنى الواو ، والتقدير : ولا من ظلم ، وهذا ليس بشيء ، لأن معنى إلا مباين لمعنى الواو مباينة كثيرة ، إذ الواو للإدخال ، وإلا للإخراج ، فلا يمكن وقوع أحدهما موقع الآخر. وروي عن الحسن ، ومقاتل ، وابن جريج ، والضحاك ، ما يقتضي أنه استثناء متصل.

قال ابن عطية : وأجمع العلماء على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل ، واختلف فيما عداها ، فعسى أن يشير الحسن وابن جريج إلى ما عدا ذلك. انتهى. وقال الزمخشري : وإلا بمعنى لكن ، لأنه لما أطلق نفي الخوف عن المرسل كان ذلك مظنة لطرو الشبهة فاستدرك ذلك ، والمعنى : ولكن من ظلم منهم ، أي فرطت منهم صغيرة مما لا يجوز على الأنبياء ، كالذي فرط من آدم ويونس وداود وسليمان وإخوة يوسف ، ومن موسى ، بوكزة القبطي. ويوشك أن يقصد بهذا التعريض ما وجد من موسى ، وهو من التعريضات التي يلطف مأخذها ، وسماه ظلما ؛ كما قال موسى : (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) (١). انتهى. وقرأ أبو جعفر ، وزيد بن أسلم : ألا من ظلم ، بفتح الهمزة وتخفيف اللام ، حرف استفتاح. ومن : شرطية. والحسن : حسن التوبة ، والسوء : الظلم الذي ارتكبه. وقرأ الجمهور : حسنا ، بضم الحاء وإسكان السين

__________________

(١) سورة القصص : ٢٨ / ١٦.

٢١٤

منونا. وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني : كذلك ، إلا أنه لم ينون ، جعله فعلى ، فامتنع الصرف ؛ وابن مقسم : بضم الحاء والسين منونا. ومجاهد ، وأبو حيوة ، وابن أبي ليلى ، والأعمش ، وأبو عمرو في رواية الجعفي ، وأبو زيد ، وعصمة ، وعبد الوارث ، وهارون ، وعياش : بفتحهما منونا.

(وَأَدْخِلْ) : أمر بما يترتب عليه من ظهور المعجز العظيم ، لما أظهر له معجزا في غيره ، وهو العصا ، أظهر له معجزا في نفسه ، وهو تلألؤ يده كأنها قطعة نور ، إذا فعل ما أمر به. وجواب الأمر الظاهر أنه تخرج ، لأن خروجها مترتب على إدخالها. وقيل : في الكلام حذف تقديره : وأدخل يدك في جيبك تدخل ، وأخرجها تخرج ، فحذف من الأول ما أثبت مقابله في الثاني ، ومن الثاني ما أثبت مقابله في الأول. قال قتادة : (فِي جَيْبِكَ) : قميصك ، كانت له مدرعة من صوف لا كمين لها. وقال ابن عباس ، ومجاهد : كان كمها إلى بعض يده. وقال السدي : في جيبك : أي تحت إبطك. والظاهر أن قوله : (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ) متعلق بمحذوف تقديره : اذهب بهاتين الآيتين : (فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ) ، ويدل عليه قوله بعد : (فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً) ، وهذا الحذف مثل قوله :

أتوا ناري فقلت منون أنتم

فقالوا الجن قلت عموا ظلاما

وقلت إلى الطعام فقال منهم

فريق يحسد الإنس الطعاما

التقدير : هلموا إلى الطعام. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون المعنى : وألق عصاك ، وأدخل يدك ، في (تِسْعِ آياتٍ) ، أي في جملة تسع آيات. ولقائل أن يقول : كانت الآيات إحدى عشرة ، ثنتان منها : اليد والعصا ، والتسع : الفلق ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمسة ، والجذب في بواديهم ، والنقصان من مزارعهم. انتهى. فعلى الأول يكون العصا واليد داخلتين في التسع ، وعلى الثاني تكون في بمعنى مع ، أي مع تسع آيات. وقال ابن عطية : (فِي تِسْعِ آياتٍ) متصل بقوله : (أَلْقِ) ، و (أَدْخِلْ) ، وفيه اقتضاب وحذف تقديره : تمهد ذلك وتيسر لك في جملة تسع آيات وهي : العصا ، واليد ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمس ، والحجر ؛ وفي هذين الأخيرين اختلاف ، والمعنى : يجيء بهنّ إلى فرعون وقومه. وقال الزجاج : في تسع آيات ، أي من تسع آيات ، كما تقول : خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان ، أي منها إلى فرعون ، أي مرسلا إلى فرعون. انتهى. وانتصب (مُبْصِرَةً) على الحال ، أي بينة

٢١٥

واضحة ، ونسب الإبصار إليها على سبيل المجاز ، لما كان يبصر بها جعلت مبصرة ، أو لما كان معها الإبصار والوضوح. وقيل : لجعلهم بصراء ، من قول : أبصرته المتعدية بهمزة النقل من بصر. وقيل : فاعل بمعنى مفعول ، كماء دافق. وقرأ قتادة ، وعلي بن الحسين : مبصرة ، بفتح الميم والصاد ، وهو مصدر ، كما تقول : الولد مجبنة ، وأقيم مقام الاسم ، وانتصب أيضا على الحال ، وكثر هذا الوزن في صفات الأماكن نحو : أرض مسبعة ، ومكان مضية. قال الزمخشري : أي مكانا يكثر فيه التبصر. انتهى. والأبلغ في : (وَاسْتَيْقَنَتْها) أن تكون الواو واو الحال ، أي كفروا بها وأنكروها في الظاهر ، وقد استيقنت أنفسهم في الباطن أنها آيات من عند الله ، وكابروا وسموها سحرا. وقال تعالى ، حكاية عن موسى في محاورته لفرعون : (قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) (١). (ظُلْماً) : مجاوزة الحد ، (وَعُلُوًّا) : ارتفاعا وتكبرا عن الإيمان ، وانتصبا على أنهما مصدران في موضع الحال ، أي ظالمين عالين ؛ أو مفعولان من أجلهما ، أي لظلمهم وعلوهم ، أي الحامل لهم على الإنكار والجحود ، مع استيقان أنها آيات من عند الله هو الظلم والعلو. واستفعل هنا بمعنى تفعل نحو : استكبر في معنى تكبر. وقرأ عبد الله ، وابن وثاب ، والأعمش ، وطلحة ، وأبان بن تغلب ، وعليا : بقلب الواو ياء ، وكسر العين واللام ، وأصله فعول ، لكنهم كسروا العين اتباعا ؛ وروي ضمها عن ابن وثاب والأعمش وطلحة ، وتقدم الخلاف في كفر العناد ، هل يجوز أن يقع أم لا؟ والعاقبة : ما آل إليه قوم فرعون من سوء المنقلب ، وما أعد لهم في الآخرة أشد ، وفي هذا تمثيل لكفار قريش ، إذ كانوا مفسدين مستعلين ، وتحذير لهم أن يحل بهم مثل ما حل بمن كان قبلهم.

(وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ، وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ، حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ، فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ).

هذا ابتداء قصص وأخبار بمغيبات وعبر ونكر. (عِلْماً) لأنه طائفة من العلم. وقال

__________________

(١) سورة الإسراء : ١٧ / ١٠٢.

٢١٦

قتادة : علما : فهما. وقال مقاتل : علما بالقضاء. وقال ابن عطاء : علما بالله تعالى. وقال الزمخشري : أو علما سنيا عزيزا. (وَقالا) قال : فإن قلت : أليس هذا موضوع الفاء دون الواو ، كقولك : أعطيته فشكر ومنعته فصبر؟ قلت : بلى ، ولكن عطفه بالواو إشعار بأن ما قالاه بعض ما أحدث فيهما إيتاء العلم وشيء من مواجبه ، فأضمر ذلك ، ثم عطف عليه التحميد ، كأنه قال : ولقد آتيناهما علما ، فعملا به وعلماه ، وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة ، (وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ) ، والكثير المفضل عليه من لم يؤت علما ، أو من لم يؤت مثل علمهما ، وفي الآية دليل على شرف العلم. انتهى. والموروث : الملك والنبوّة ، بمعنى : صار ذلك إليه بعد موت أبيه فسمي ميراثا تجوزا ، كما قيل : العلماء ورثة الأنبياء. وحقيقة الميراث في المال والأنبياء لا نورث مالا ، وكان لداود تسعة عشر ولدا ذكرا ، فنبىء سليمان من بينهم وملك. وقيل : ولاه على بين إسرائيل في حياته من بين سائر أولاده ، فكانت الولاية في معنى الوراثة. وقال الحسن : ورث المال لأن النبوة عطية مبتدأة لا تورث. وقيل : الملك والسياسة. وقيل : النبوة فقط ، والأظهر القول الأول ، ويؤيده قوله : (عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) ، فهذا يدل على النبوة ، (وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) يدل على الملك ، وكان هذا شرحا للميراث. وقوله : (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) يقوي ذلك ، ولا يناسب شيء من هذا وراثة المال.

وقوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ) تشهير لنعمة الله ، وتنويه بها واعتراف بمكانها ، ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير ، وغير ذلك مما أوتيه من عظائم الأمور. و (مَنْطِقَ الطَّيْرِ) : استعارة لما يسمع منها من الأصوات ، وهو حقيقة في بني آدم ، لما كان سليمان يفهم منه ما يفهم من كلام بني آدم ، كما يفهم بعض الطير من بعض ، أطلق عليه منطق. وقيل : كانت الطير تكلمه معجزة له ، كقصة الهدهد ، والظاهر أنه علم منطق الطير وعموم الطير. وقيل : علم منطق الحيوان. قيل : والنبات ، حتى كان يمر على الشجرة فتذكر له منافعها ومضارها ، وإنما نص على الطير ، لأنه كان جندا من جنوده ، يحتاج إليه في التظليل من الشمس ، وفي البعث في الأمور. وقال قتادة : والشعبي : وكذلك كانت هذه النملة القائلة ذات جناحين. وأورد المفسرون مما ذكروا : أن سليمان عليه‌السلام أخبر عن كثير من الطير بأنواع من الكلام ، تقديس لله تعالى وعظات ، وعبر ما الله أعلم بصحته.

(وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) : ظاهره العموم ، والمراد الخصوص ، أي من كل شيء

٢١٧

يصلح لنا ونتمناه ، وأريد به كثرة ما أوتي ، فكأنه مستغرق لجميع الأشياء. كما تقول : فلان يقصده كل أحد ، يريد كثرة قصاده ، وهذا كقوله تعالى في قصة بلقيس : (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) (١) ؛ وبنى علمنا وأوتينا للمفعول ، وحذف الفاعل للعلم به ، وهو الله تعالى. وكانا مسندين لنون العظمة لا لتاء المتكلم ، لأنه إما إن أراد نفسه وأباه ، أو لما كان ملكا مطاعا خاطب أهل طاعته ومملكته بحاله التي هو عليها ، لا على سبيل التعاظم والتكبر. (إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) : إقرار بالنعمة وشكر لها ومحمدة.

روي أن معسكره كان مائة فرسخ في مائة خمسة وعشرون للجن ، ومثلها للإنس ، ومثلها للطير ، ومثلها للوحش ، وألف بيت من قوارير على الخشب ، فيها ثلاثمائة منكوحة ، وسبعمائة سرية ، وقد نسجت له الجن بساطا من ذهب وإبريسم فرسخا في فرسخ ، ومنبره في وسطه من ذهب ، فيصعد عليه وحوله ستمائة ألف كرسي من ذهب وفضة ، تقعد الأنبياء على كراسي الفضة ، وحولهم الناس ، وحول الناس الجن والشياطين ، وتظله الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس ، وترفع ريح الصبا البساط ، فتسير به مسيرة شهر ، وتفصيل هذه الأشياء يحتاج إلى صحة نقل ، وكان ملكه عظيما ، ملأ الأرض ، وانقاد له أهل المعمور منها. وتقدم لنا أنه ملك الأرض بأسرها أربعة : مؤمنان : سليمان وذو القرنين ، وكافران : بختنصر ونمروذ. وحشر الجنود يقتضي سفرا وفسر الجنود أنهم الجن والإنس والطير ، وذكر المفسرون الوحش رابعا.

(فَهُمْ يُوزَعُونَ) : يحشر أولهم على آخرهم ، أي يوقف متقدمو العسكر حتى يأتي آخرهم فيجتمعون ، لا يتخلف منهم أحد وذلك للكثرة العظيمة ، أو يكفون عن المسير حتى يجتمعوا. وقيل : يجتمعون من كل جهة. وقيل : يساقون. وقيل : يدفعون. وقيل : يحبسون. كانت الجيوش تسير معه إذا سار ، وينزل إذا نزل. (حَتَّى إِذا أَتَوْا) : هذه غاية لشيء مقدر ، أي وساروا حتى إذا أتوا ، أو يضمن يوزعون معنى فعل يقتضي أن تكون حتى غاية له ، أي فهم يسيرون مكنوفا بعضهم من مفارقة بعض. وعدى أتوا بعلى ، إما لأن إتيانهم كان من فوق ، وإما أن يراد قطع الوادي وبلوغ آخره من قولهم : أتى على الشيء ، إذا أتى على آخره وأنفذه ، كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند منقطع الوادي ، لأنهم ما دامت الريح تحملهم لا يخاف حطمهم ، قاله الزمخشري.

__________________

(١) سورة النمل : ٢٧ / ٢٣.

٢١٨

وقال ابن عطية : والظاهر أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض ، ولذلك يتهيأ حطم النمل بنزولهم في وادي النمل. ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح ، فأحست النمل بنزولهم في وادي النمل ، ووادي النمل قيل بالشام. وقيل : بأقصى اليمن ، وهو معروف عند العرب مذكور في أشعارها. وقال كعب : وادي السدر من الطائف. والظاهر صدور القول من النملة ، وفهم سليمان كلامها ، كما فهم منطق الطير. قال مقاتل : من ثلاثة أميال. وقال الضحاك بلغته : الريح كلامها. وقال ابن بحر : نطقت بالصوت معجزة لسليمان ، ككلام الضب والذراع للرسول. وقيل : فهمه إلهاما من الله ، كما فهمه جنس النمل ، لا أنه سمع قولا. وقال الكلبي : أخبره ملك بذلك. قال الشاعر :

لو كنت أوتيت كلام الحكل

علم سليمان كلام النمل

والحكل : ما لا يسمع صوته. وذكروا اختلافا في صغر النملة وكبرها ، وفي اسمها العلم ما لفظه. وليت شعري ، من الذي وضع لها لفظا يخصها ، أبنو آدم أم النمل؟ وقالوا : كانت نملة عرجاء ، ولحوق التاء في قالت لا يدل على أن النملة مؤنث ، بل يصح أن يقال في المذكر : قالت نملة ، لأن نملة ، وإن كان بالتاء ، هو مما لا يتميز فيه المذكر من المؤنث. وما كان كذلك ، كالنملة والقملة ، مما بينه في الجمع وبين واحده من الحيوان تاء التأنيث ، فإنه يخبر عنه إخبار المؤنث ، ولا يدل كونه يخبر عنه إخبار المؤنث على أنه ذكر أو أنثى ، لأن التاء دخلت فيه للفرق ، لا دالة على التأنيث الحقيقي ، بل دالة على الواحد من هذا الجنس.

وقال الزمخشري ، وعن قتادة : أنه دخل الكوفة ، فالتف عليه الناس فقال : سلوا عما شئتم. وكان أبو حنيفة حاضرا ، وهو غلام حدث ، فقال : سلوه عن نملة سليمان ، أكانت ذكرا أم أنثى : فسألوه فأفحم ، فقال أبو حنيفة : كانت أنثى. فقيل له : من أين عرفت؟ فقال : من كتاب الله ، وهو قوله : (قالَتْ نَمْلَةٌ) ، ولو كان ذكرا لقال قال نملة. قال الزمخشري : وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى ، فيميز بينهما بعلامة ، نحو قولهم : حمامة ذكر وحمامة أنثى ، وهو وهي. انتهى. وكان قتادة بن دعامة السدوسي بصيرا بالعربية ، وكونه أفحم ، يدل على معرفته باللسان ، إذ علم أن النملة يخبر عنها إخبار المؤنث ، وإن كانت تنطلق على الأنثى والذكر ، إذ هو مما لا يتميز فيه أحد هذين ، فتذكيره وتأنيثه لا يعلم ذلك من إلحاق العلامة للفعل فتوقف ، إذ لا يعلم ذلك إلا بوحي من الله. وأما استنباط تأنيثه من كتاب الله من قوله : (قالَتْ نَمْلَةٌ) ، ولو كان ذكرا

٢١٩

لقال : قال نملة ، وكلام النحاة على خلافه ، وأنه لا يخبر عنه إلا إخبار المؤنث ، سواء كان ذكرا أم أنثى. وأما تشبيه الزمخشري النملة بالحمامة والشاة ، فبينهما قدر مشترك ، وهو إطلاقهما على الذكر والمؤنث ، وبينهما فرق ، وهو أن الحمامة والشاة يتميز فيهما المذكر من المؤنث ، فيمكن أن تقول : حمامة ذكر وحمامة أنثى ، فتميز بالصفة. وأما تمييزه بهو وهي ، فإنه لا يجوز. لا تقول : هو الحمامة ، ولا هو الشاة ؛ وأما النملة والقملة فلا يتيمز فيه المذكر من المؤنث ، فلا يجوز فيه في الإخبار إلا التأنيث ، وحكمه حكم المؤنث بالتاء من الحيوان العاقل نحو : المرأة ، أو غير العاقل كالدابة ، إلا أن وقع فصل بين الفعل وبين ما أسند إليه من ذلك ، فيجوز أن تلحق العلامة الفعل ، ويجوز أن لا تلحق ، على ما قرر ذلك في باب الإخبار عن المؤنث في علم العربية.

وقرأ الحسن ، وطلحة ، ومعتمر بن سليمان ، وأبو سليمان التيمي : نملة ، بضم الميم كسمرة ، وكذلك النمل ، كالرجلة والرجل لعتان. وعن سليمان التيمي : نمل ونمل بضم النون والميم ، وجاء الخطاب بالأمر ، كخطاب من يعقل في قوله : (ادْخُلُوا) وما بعده ، لأنها أمرت النمل كأمر من يعقل ، وصدر من النمل الامتثال لأمرها. وقرأ شهر بن حوشب : مسكنكم ، على الإفراد. وعن أبيّ : أدخلن مساكنكن لا يحطمنكم : مخففة النون التي قبل الكاف. وقرأ الحسن ، وأبو رجاء ، وقتادة ، وعيسى بن عمر الهمداني ، الكوفي ، ونوح القاضي : بضم الياء وفتح الحاء وشد الطاء والنون ، مضارع حطم مشددا. وعن الحسن : بفتح الياء وإسكان الحاء وشد الطاء ، وعنه كذلك مع كسر الحاء ، وأصله : لا يحتطمنكم من الاحتطام. وقرأ ابن أبي إسحاق ، وطلحة ، ويعقوب ، وأبو عمرو في رواية عبيد : كقراءة الجمهور ، إلا أنهم سكنوا نون التوكيد. وقرأ الأعمش : بحذف النون وجزم الميم ، والظاهر أن قوله : (لا يَحْطِمَنَّكُمْ) ، بالنون خفيفة أو شديدة ، نهي مستأنف ، وهو من باب : لا أرينك هاهنا ، نهت غير النمل ، والمراد النمل ، أي لا تظهروا بأرض الوادي فيحطمكم ، ولا تكن هنا فأراك. وقال الزمخشري : فإن قلت : لا يحطمنكم ما هو؟ قلت : يحتمل أن يكون جوابا للأمر ، وأن يكون هنا بدلا من الأمر ، والذي جوز أن يكون بدلا منه ، لأنه في معنى لا تكونوا حيث أنتم فيحطمنكم على طريقة لا أرينك هاهنا ، أرادت لا يحطمنكم جنود سليمان ، فجاءت بما هو أبلغ ونحوه : عجبت من نفسي ومن إشفاقها. انتهى. وأما تخريجه على أنه أمر ، فلا يكون ذلك إلا على قراءة الأعمش ، إذ هو مجزوم ، مع أنه يحتمل أن يكون استئناف نفي ، وأما مع وجود نون التوكيد ، فإنه لا يجوز ذلك إلا إن كان في الشعر.

٢٢٠