البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

البحر المحيط في التّفسير - ج ٨

المؤلف:

محمّد بن يوسف [ أبي حيّان الأندلسي الغرناطي ]

المحقق: المترجم:
الموضوع : القرآن وعلومه الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
نسخة غير مصححة

الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ، قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا : أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ، وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ).

لما بين حال الشاكرين وحال الكافرين ، وذكر قريشا ومن لم يؤمن بمن مضى ، عاد إلى خطابهم فقال : (قُلْ) ، يا محمد للمشركين الذين ضرب لهم المثل بقصة سبأ المعروفة عندهم بالنقل في أخبارهم وأشعارهم ، (ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) ، وهم معبوداتهم من الملائكة والأصنام ، وهو أمر بدعاء هو تعجيز وإقامة للحجة. وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشا ، أي ادعوهم ليكشفوا عنكم ما حل بكم ، والجئوا إليهم فيما يعنّ لكم. وزعم : من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية ، والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين ، والثاني محذوف أيضا لدلالة المعنى ، ونابت صفته منابه ، التقدير : الذي زعمتموهم آلهة من دونه ؛ وحسن حذف الثاني قيام صفته مقامه ، ولو لا ذلك ما حسن ، إذ في حذف إحدى مفعولي ظن وأخواتها اختصارا خلاف ، منع ذلك ابن ملكوت ، وأجازه الجمهور ، وهو مع ذلك قليل ، ولا يجوز أن يكون الثاني من دونه ، لأنه لا يستقل كلاما. لو قلت : هم من دونه ، لم يصح ، ولا الجملة من قوله : (لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ) ، لأنه لو كانت هذه النسبة مزعومة لهم لكانوا معترفين بالحق قائلين له. ولو كان ذلك توحيدا منهم ، وأن آلهتهم ومعبوداتهم لا يملكون شيئا باعترافهم. ثم أخبر عن آلهتهم أنهم لا يملكون مثقال ذرة ، وهو أحقر الأشياء ، وإذا انتفى ملك الأحقر عنهم ، فملك الأعظم أولى. ثم ذكر مقر ذلك المثقال ، وهو السموات والأرض. ثم أخبر أنهم ما لهم في السموات ولا في الأرض من شركة ، فنفى نوعي الملك من الاستبداد والشركة. ثم نفى الإعانة منهم له تعالى في شيء مما أنشأ بقوله : (وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) ، فبين عجز معبوداتهم من جميع الجهات.

ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له ، نفى أن شفاعتهم تنفع ، والنفي منسحب على الشفاعة ، أي لا شفاعة لهم فتنفع ، وليس المعنى أنهم يشفعون ، ولا تنفع

٥٤١

شفاعتهم ، أي لا يقع من معبوداتهم شفاعة أصلا. ولأن عابديهم كفار ، فإن كان المعبودون أصناما أو كفارا ، كفرعون ، فسلب الشفاعة عنهم ظاهر ، وإن كانوا ملائكة أو غيرهم ممن عبد ، كعيسى عليه‌السلام ، فشفاعتهم إذا وجدت تكون لمؤمن. و (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) : استثناء مفرغ ، فالمستثنى منه محذوف تقديره : ولا تنفع الشفاعة لأحد (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ). واحتمل قوله لأحد أن يكون مشفوعا له ، وهو الظاهر ، فيكون قوله : (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) ، أي المشفوع ، أذن لأجله أن يشفع فيه ؛ والشافع ليس بمذكور ، وإنما دل عليه المعنى. واحتمل أن يكون شافعا ، فيكون قوله : (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) بمعنى : إلا لشافع أذن له أن يشفع ، والمشفوع ليس بمذكور ، إنما دل عليه المعنى. وعلى هذا الاحتمال تكون اللام في (أَذِنَ لَهُ) لام التبليغ ، لا لام العلة. وقال الزمخشري : يقول : الشفاعة لزيد على معنى أنه الشافع ، كما يقول : الكرم لزيد ، وعلى معنى أنه المشفوع له ، كما تقول : القيام لزيد ، فاحتمل قوله : (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) أن يكون على أحد هذين الوجهين ، أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له ، أو لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له ، أي لشفيعه ، أو هي اللام الثانية في قولك : أذن لزيد لعمرو ، أي لأجله ، وكأنه قيل : إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله ، وهذا وجه لطيف ، وهو الوجه ، وهذا تكذيب لقولهم : (هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ) (١). انتهى. فجعل (إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) استثناء مفرغا من الأحوال ، ولذلك قدره : إلا كائنة ، وعلى ما قررناه استثناء من الذوات.

وقال أبو عبد الله الرازي : المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة : قائل : إن الله خلق السموات وجعل الأرض والأرضيات في حكمها ، ونحن من جملة الأرضيات ، فنعبد الكواكب والملائكة السماوية ، وهم إلهنا ، والله إلههم ، فأبطل بقوله : (لا يَمْلِكُونَ) ، (فِي السَّماواتِ) ، كما اعترفتم ، (وَلا فِي الْأَرْضِ) ، خلاف ما زعمتم. وقائل : السموات من الله استبدادا ، والأرضيات منه بواسطة الكواكب ، فإنه تعالى خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات وحركات وطوالع ، فجعلوا مع الله شركاء في الأرض ، والأولون جعلوا الأرض لغيره ، فأبطل بقوله : (وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ) ، أي الأرض ، كالسماء لله لا لغيره ، ولا لغيره فيهما نصيب. وقائل : التركيبات والحوادث من الله ، لكن فوض إلى الكواكب ، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ، ويسلب عن المأذون له فيه ، جعلوا السموات

__________________

(١) سورة يونس : ١٠ / ١٨.

٥٤٢

معينة لله ، فأبطل بقوله : (وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) وقائل : نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا ، فأبطل بقوله : (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ) ، الجملة ، وأل في الشفاعة الظاهر أنها للعموم ، أي شفاعة جميع الخلق. وقيل : للعهد ، أي شفاعة الملائكة التي زعموها شركاء وشفعاء. انتهى ، وفيه بعض تلخيص. وقال أبو البقاء : اللام في (لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) يجوز أن تتعلق بالشفاعة ، لأنك تقول : أشفعت له ، وأنت تعلق بتنفع. انتهى ، وهذا فيه قلة ، لأن المفعول متأخر ، فدخول اللام عليه قليل. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : أذن بضم الهمزة ؛ وباقي السبعة : بفتحها ، أي أذن الله له. والظاهر أن الضمير في قوله : (قُلُوبِهِمْ) عائد على ما عادت عليه الضمائر التي للغيبة في قوله : (لا يَمْلِكُونَ) ، وفي (ما لَهُمْ) ، و (ما لَهُ مِنْهُمْ) ، وهم الملائكة الذين دعوهم آلهة وشفعاء ، ويكون التقدير : إلا لمن أذن له منهم.

و (حَتَّى) : تدل على الغاية ، وليس في الكلام عائد على أن حتى غاية له. فقال ابن عطية : في الكلام حذف يدل عليه الظاهر ، كأنه قال : ولا هم شفعاء كما تحبون أنتم ، بل هم عبدة أو مسلمون أبدا ، يعني منقادون ، (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ). قال : وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، أن قوله : (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) ، إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي ، أي جبريل ، وبالأمر يأمر الله به سمعت ، كجر سلسلة الحديد على الصفوان ، فتفزع عند ذلك تعظيما وهيبة. وقيل : خوف أن تقوم الساعة ، فإذا فزع ذلك عن قلوبهم ، أي أطير الفزع عنها وكشف ، يقول بعضهم لبعض ولجبريل : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ)؟ فيقول المسؤلون : قال (الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى ، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله : (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) لم تتصل له هذه الآية بما قبلها ، فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار ، بعد حلول الموت : ففزع عن قلوبهم بفقد الحياة ، فرأوا الحقيقة ، وزال فزعهم مما يقال لهم في حياتهم ، فيقال لهم حينئذ : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ)؟ فيقولون : قال الحق ، يقرون حين لا ينفعهم الإقرار. وقالت فرقة : الآية في جميع العالم. وقوله : (حَتَّى) ، يريد في الآخرة ، والتأويل الأول في الملائكة هو الصحيح ، وهو الذي تظاهرت به الأحاديث ، وهذا بعيد. انتهى. وإذا كان الضمير في (عَنْ قُلُوبِهِمْ) لا يعود على (الَّذِينَ زَعَمْتُمْ) ، كان عائدا على من عاد عليه الضمير في قوله : (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ) ، ويكون الضمير في (عَلَيْهِمْ) عائدا على جميع

٥٤٣

الكفار ، ويكون حتى غاية لقوله : (فَاتَّبَعُوهُ) ، ويكون التفزيع حالة مفارقة الحياة ، أو يجعل اتباعهم إياه مستصحبا لهم إلى يوم القيامة مجازا.

والجملة بعد من قوله : (قُلِ ادْعُوا) اعتراضية بين المغيا والغاية. قال ابن زيد : أقروا بالله حين لا ينفعهم الإقرار ، فالمعنى : فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم ما كان يطلبهم به ، (قالُوا ما ذا قالَ رَبُّكُمْ). وقال الحسن : وإنما يقال للمشركين (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ) على لسان الأنبياء ، فأقروا حين لا ينفع. وقيل : (حَتَّى) غاية متعلقة بقوله : (زَعَمْتُمْ) ، أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم : قال الحق. انتهى. فيكون في الكلام التفاوت من خطاب في (زَعَمْتُمْ) إلى غيبة في (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ). وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : فإذا أذن فزع ودام فزعه حتى إذا أزيل التفزيع عن قلوبهم. قال بعض الشافعين من الملائكة لبعض الملائكة : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ) في قبول شفاعتنا؟ فيجيب بعضهم لبعض : قال أي الله الحق ، أي القول الحق ، وهو قبول شفاعتهم ، إذ كان تعالى أذن لهم في ذلك ، ولا يأذن إلا وهو مريد لقبول الشفاعة. وقال الزمخشري : فإن قلت بم اتصل قوله : (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)؟ ولا شيء وقعت حتى غاية له. قلت : بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظار الإذن وتوقفا وتمهلا وفزعا من الراجين للشفاعة والشفعاء ، هل يؤذن لهم أو لا يؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد ملي من الزمان وطول من التربص. ومثل هذه الحال دل عليه قوله ، عز من قائل : (رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً ، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً) (١) ، كأنه قيل : يتربصون ويتوقفون مليا فزعين وهلين.

(حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) : أي كشف الفزع من قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن. تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضا : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ)؟ قال الحق ، أي القول الحق ، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. انتهى. وتلخص من هذا أن حتى غائية إما لمنطوق وهو زعمتم ، ويكون الضمير في (عَنْ قُلُوبِهِمْ) التفاتا ، وهو للكفار ، أو هو فاتبعوه ، وفيه تناسق الضمائر لغائب. والفصل بالاعتراض والضمير أيضا للكفار ، والضمير في (قالُوا) للملائكة ، وضمير الخطاب في (رَبُّكُمْ) ، والغائب في (قالُوا) الثانية للكفار. وأما لمحذوف ، فما قدره ابن عطية لا يصح أن يغيا ،

__________________

(١) سورة النبأ : ٧٨ / ٣٧ ـ ٣٨.

٥٤٤

لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، وهم عبدة منقادون دائما لا ينفكون عن ذلك ، لا إذا فزع عن قلوبهم ، ولا إذا لم يفزع ، وحمل ذلك على الملائكة حال الوحي لا يناسب الآية ، وكون النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، في قصة الوحي قال : «فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم» ، لا يدل على أن هذه الآية في الملائكة حالة تكلم الله بالوحي. والحديث رواه ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، قال : «إذا تكلم الله عزوجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه‌السلام ، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم ، فيقولون : يا جبريل ماذا قال ربك؟ قال فيقول الحق ، فينادون الحق». وما قدره الزمخشري يحتمل ، إلا أن فيه تخصيص الذين زعمتم من دونه بالملائكة ، والذين عبدوهم ملائكة وغيرهم. وتخصيص من أذن له بالملائكة أيضا ، والمأذون لهم في الشفاعة الملائكة وغيرهم. ألا ترى إلى ما حكى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، في «الشفاعة في قوله عزوجل؟» (١).

وقرئ : فزع مشددا ، من الفزع ، مبنيا للمفعول ، أي أطير الفزع عن قلوبهم. وفعل تأتي لمعان منها : الإزالة ، وهذا منه نحوه : قردت البعير ، أي أزلت القراد عنه. وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وطلحة ، وأبو المتوكل الناجي ، وابن السميفع ، وابن عامر : مبنيا للفاعل من الفزع أيضا ، والضمير الفاعل في فزع إن كان الضمير في عن قلوبهم للملائكة ، فهو الله ، وإن كان للكفار ، فالضمير لمغويهم. وقرأ الحسن : (فُزِّعَ) من الفزع ، بتخفيف الزاي ، مبنيا للمفعول ، و (عَنْ قُلُوبِهِمْ) في موضع رفع به ، كقولك : انطلق يزيد. وقرأ الحسن أيضا ، وأبو المتوكل أيضا ، وقتادة ، ومجاهد : فزع مشددا ، مبنيا للفاعل من الفزع. وقرأ الحسن أيضا : كذلك ، إلا أنه خفف الزاء. وقرأ عبد الله بن عمر ، والحسن أيضا ، وأيوب السختياني ، وقتادة أيضا ، وأبو مجلز : فرغ من الفراغ ، مشدد الراء ، مبنيا للمفعول. وقرأ ابن مسعود ، وعيسى افرنقع : عن قلوبهم ، بمعنى انكشف عنها ، وقيل : تفرق. وقال الزمخشري : والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين ، كما ركب قمطر من حروف القمط مع زيادة الراء. انتهى. فإن عنى الزمخشري أن العين من حروف الزيادة ، وكذلك الراء ، وهو ظاهر كلامه ، فليس بصحيح ، لأن العين والراء ليستا من حروف الزيادة. وإن عنى أن الكلمة فيها حروف ، وما ذكروا زائدا إلى ذلك العين والراء كمادة فرقع وقمطر ، فهو صحيح لو لا إيهام ما قاله الزمخشري في هذه الكلمة ، لم أذكر هذه القراءة لمخالفتها

__________________

(١) بياض بجميع الأصول.

٥٤٥

سواد المصحف. وقالوا أيضا في قوله تعالى : (حَتَّى إِذا فُزِّعَ) أقوالا غير ما سبق. قال كعب : إذا تكلم الله عزوجل بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرت فزعا ، قالوا فيما بينم : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَ). وقيل : إذا دعاهم إسرافيل من قبورهم ، قالوا مجيبين ماذا ، وهو من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ ، كما قاله زهير :

إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم

طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل

وقيل : هو فزع ملائكة أدنى السموات عند نزول المدبرات إلى الأرض. وقيل : لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وبعث الله محمدا ، أنزل الله جبريل بالوحي ، فظنت الملائكة أنه قد نزل بشيء من أمر الساعة ، وصعقوا لذلك ، فجعل جبريل يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي ، قاله قتادة ومقاتل وابن السائب. وقيل : الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض ، ويكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الله فانحدروا ، سمع لهم صوت شديد ، فيحسب الذين هم أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة ، فيخرون سجدا يصعقون ، رواه الضحاك عن ابن مسعود.

وهذه الأقوال والتي قبلها لا تكاد تلائم ألفاظ القرآن ، فالله أسأل أن يرزقنا فهم كتابه ، وأقربها عندي أن يكون الضمير في (قُلُوبِهِمْ) عائدا على من عاد عليه اتبعوه وعليهم ، وممن هو منها في شك ، وتكون الجملة بعد ذلك اعتراضا. وقوله : (قالُوا) ، أي الملائكة ، لأولئك المتبعين الشاكين يسألونهم سؤال توبيخ : (ما ذا قالَ رَبُّكُمْ) ، على لسان من بعث إليكم بعد أن كشف الغطاء عن قلوبهم ، فيقرون إذ ذاك أن الذي قاله ، وجاءت به أنبياؤه ، وهو الحق ، لا الباطل الذي كنا فيه من اتباع إبليس. وشكنا في البعث ماذا يحتمل أن تكون ما منصوبة بقال ، أي أي شيء قال ربكم ، وأن يكون في موضع رفع على أن ذا موصولة ، أي ما الذي قال ربكم ، وذا خبره ، ومعمول قال ضمير محذوف عائد على الموصول. وقرأ ابن أبي عبلة : قالوا الحق ، برفع الحق ، خبر مبتدأ ، أي مقوله الحق ، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) ، تنزيه منهم له تعالى وتمجيد. ثم رجع إلى خطاب الكفار فسألهم عمن يرزقهم ، محتجا عليهم بأن رازقهم هو الله ، إذ لا يمكن أن يقولوا إن آلهتهم ترزقهم وتسألهم أنهم (لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) ، وأمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله : (قُلِ اللهُ) ، لأنهم قد لا يجيبون حبا في العناد وإيثارا للشرك. ومعلوم أنه لا جواب لم ولا لأحد إلا بأن يقول هو الله. (وَإِنَّا) : أي الموحدين الرازق العابدين ، (أَوْ إِيَّاكُمْ) : المشركين العابدين الأصنام والجمادات. (لَعَلى هُدىً) : أي

٥٤٦

طريقة مستقيمة ، أو في حيرة واضحة بينة. والمعنى : أن أحد الفريقين منا ومنكم لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال ، أخرج الكلام مخرج الشك والاحتمال. ومعلوم أن من عبد الله ووحده هو على الهدى ، وأن من عبد غيره من جماد أو غيره في ضلال. وهذه الجملة تضمنت الإنصاف واللطف في الدعوى إلى الله ، وقد علم من سمعها أنه جملة اتصاف ، والرد بالتورية والتعريض أبلغ من الرد بالتصريح ، ونحوه قول العرب : أخزى الله الكاذب مني ومنك ، يقول ذاك من يتيقن أن صاحبه هو الكاذب ، ونظيره قوله الشاعر :

فأني ماوأيك كان شرا

فسيق إلى المقادة في هوان

وقال حسان :

أتهجوه ولست له بكفؤ

فشركما لخيركما الفداء

وهذا النوع يسمى في علم البيان : استدراج المخاطب. يذكر له أمرا يسلمه ، وإن كان بخلاف ما ذكر حتى يصغي إليه إلى ما يلقيه إليه ، إذ لو بدأ به بما يكره لم يصغ ، ولا يزال ينقله من حال إلى حال حتى يتبين له الحق ويقبله. وهنا لما سمعوا الترداد بينه وبينهم ، ظهر لهم أنه غير جازم أن الحق معه ، فقال لهم بطريق الاستدلال : إن آلهتكم لا تملك مثقال ذرة ، ولا تنفع ولا تضر ، لأنها جماد ، وهم يعلمون ذلك ، فتحقق أن الرازق لهم والنافع والضار هو الله سبحانه. وقيل : معنى الجملة استنقاص المشركين والاستهزاء بهم ، وقد بينوا أن آلهتهم لا ترزقهم شيئا ولا تنفع ولا تضر ، فأراد الله من نبيه ، وأمره أن يوبخهم ويستنقصهم ويكذبهم بقول غير مكشوف ، إن كان ذلك أبلغ في استنقاصهم ، كقولك : إن أحدنا لكاذب ، وقد علمت أن من خاطبته هو الكاذب ، ولكنك وبخته بلفظ غير مكشوف. وأو هنا على موضوعها لكونها لأحد الشيئين ، أو الأشياء. وخبر (إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ) هو (لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ، ولا يحتاج إلى تقدير حذف ، إذ المعنى : أن أحدنا لفي أحد هذين ، كقولك : زيد أو عمرو في القصر ، أو في المسجد ، لا يحتاج هذا إلى تقدير حذف ، إذ معناه : أحد هذين في أحد هذين. وقيل : الخبر محذوف ، فقيل : خبر لا وله ، والتقدير : وإنا لعلى هدى أو في ضلال مبين ، فحذف لدلالة خبر ما بعده عليه ، فلعلى هدى أو في ضلال مبين المثبت خبر عنه ، أو إياكم ، إذ هو على تقدير إنا ، ولكنها لما حذفت اتصل الضمير ، وقيل : خبر الثاني ، والتقدير : أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ، وحذف لدلالة خبر الأول عليه ، وهو هذا المثبت (لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) ، ولا حاجة لهذا التقدير من الحذف لو كان ما بعد أو غير معطوف بها ، نحو : زيد أو عمرو قائم ،

٥٤٧

كان يحتاج إلى هذا التقدير ، وإن مع ما يصلح أن يكون خبرا لأن اسمها عطف عليه بأو ، والخبر معطوف بأو ، فلا يحتاج إليه. وذهب أبو عبيدة إلى أن أو بمعنى الواو ، فيكون من باب اللف والنشر ، والتقدير : وإنا لعلى هدى ، وإياكم في ضلال مبين ، فأخبر عن كل بما ناسبه ، ولا حاجة إلى إخراج أو عن موضوعها. وجاء في الهدى بعلى ، لأن صاحبه ذو استعلاء ، وتمكن مما هو عليه ، يتصرف حيث شاء. وجاء في الضلال بعن لأنه منغمس في حيرة مرتبك فيها لا يدري أين يتوجه.

(قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا) هذا أدخل في الإنصاف وأبلغ من الأول ، وأكثر تلطفا واستدراجا ، حيث سمى فعله جرما ، كما يزعمون ، مع أنه مثاب مشكور. وسمى فعلهم عملا ، مع أنه مزجور عنه محظور. وقد يراد بأجرمنا نسبة ذلك إلى المؤمنين دون الرسول ، وذلك ما لا يكاد يخلو المؤمن منه من الصغائر ، والذي تعملون هو الكفر وما دونه من المعاصي الكبائر. قيل : وهذه الآية منسوخة بآية السيف. (قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا) : أي يوم القيامة ، (ثُمَّ يَفْتَحُ) : أي يحكم ، (بِالْحَقِ) : بالعدل ، فيدخل المؤمنين الجنة والكفار النار. (وَهُوَ الْفَتَّاحُ) : الحاكم الفاصل ، (الْعَلِيمُ) بأعمال العباد. والفتاح والعليم صيغتا مبالغة ، وهذا فيه تهديد وتوبيخ. تقول لمن نصحته وخوفته فلم يقبل : سترى سوء عاقبة الأمر. وقرأ عيسى : الفاتح اسم فاعل ، والجمهور : الفتاح.

(قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ) : الظاهر أن أرى هنا بمعنى أعلم ، فيتعدى إلى ثلاثة : الضمير للمتكلم هو الأول ، والذين الثاني ، وشركاء الثالث ، أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة ، وهل يملكون مثقال ذرة أو يرزقونكم؟ وقيل : هي رؤية بصر ، وشركاء نصب على الحال من الضمير المحذوف في ألحقتم ، إذ تقديره : ألحقتموهم به في حال توهمه شركاء له. قال ابن عطية : وهذا ضعيف ، لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له. وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى قوله : أروني ، وكان يراهم ويعرفهم؟ قلت : أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله ، وأن يقايس على أعينهم بينه وبين أصنامهم ، ليطلعهم على حالة القياس إليه والإشراك به. و (كَلَّا) : ردع لهم عن مذهبهم بعد ما كسره بإبطال المقايسة ، كما قال إبراهيم : (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ) (١) ، بعد ما حجهم ، وقد نبه على تفاحش غلطهم ، وأن يقدروا الله حق قدره بقوله : (هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، كأنه قال : أي الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات؟ وهو

__________________

(١) سورة الأنبياء : ٢١ / ٦٧.

٥٤٨

راجع إلى الله وحده ، أو هو ضمير الشأن كما في قوله : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) (١). انتهى. وقول ابن عطية ، لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له ، أي لا نفع له ، ليس بجيد ، بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ، ولا يريد حقيقة الأمر ، بل المعنى : أن الذين هم شركاء الله على زعمكم ، هم ممن إن أريتموهم افتضحتم ، لأنهم خشب وحجر وغير ذلك من الحجارة والجماد ، كما تقول للرجل الخسيس الأصل : أذكر لي أباك الذي قايست به فلانا الشريف ولا تريد حقيقة الذكر ، وإنما أردت تبكيته ، وأنه إن ذكر أباه افتضح.

و (كَافَّةً) : اسم فاعل من كف ، وقيل : مصدر كالعاقبة والعافية ، فيكون على حذف مضاف ، أي إلا ذا كافة ، أي ذا كف للناس ، أي منع لهم من الكفر ، أو ذا منع من أن يشذوا عن تبليغك. وإذا كان اسم فاعل ، فقال الزجاج وغيره : هو حال من الكاف في (أَرْسَلْناكَ) ، والمعنى : إلا جامعا للناس في الإبلاغ ، والكافة بمعنى الجامع ، والهاء فيه للمبالغة ، كهي في علامة وراوية. وقال الزمخشري : إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم ، لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم ، قال : ومن جعله حالا من المجرور متقدما عليه فقد أخطأ ، لأن تقدم حال المجرور عليه في الأصالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار ، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى ، لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني ، فلا بد من ارتكاب الخطأين. انتهى. أما كافة بمعنى عامة ، فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالا ، ولم يتصرف فيها بغير ذلك ، فجعلها صفة لمصدر محذوف ، خروج عما نقلوا ، ولا يحفظ أيضا استعمله صفة لموصوف محذوف. وأما قول الزجاج : إن كافة بمعنى جامعا ، والهاء فيه للمبالغة ، فإن اللغة لا تساعد على ذلك ، لأن كف ليس بمحفوظ أن معناه جمع. وأما قول الزمخشري : ومن جعله حالا إلى آخره ، فذلك مختلف فيه. ذهب الأكثرون إلى أن ذلك لا يجوز ، وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان ومن معاصرينا ابن مالك إلى أنه يجوز ، وهو الصحيح. ومن أمثلة أبي علي زيد : خير ما يكون خير منك ، التقدير : زيد خير منك خير ما يكون ، فجعل خير ما يكون حالا من الكاف في منك ، وقدمها عليه ، قال الشاعر :

إذا المرء أعيته المروءة ناشئا

فمطلبها كهلا عليه شديد

وقال آخر :

تسليت طرا عنكم بعد بينكم

بذكركم حتى كأنكم عندي

__________________

(١) سورة الإخلاص : ١١٢ / ١.

٥٤٩

أي : تسليت عنكم طرا ، أي جميعا. وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به ، ومن ذلك قول الشاعر :

مشغوفة بك قد شغفت وإنما

حتم الفراق فما إليك سبيل

وقال آخر :

غافلا تعرض المنية للمر

ء فيدعى ولات حين إباء

أي : شغفت بك مشغوفة ، وتعرض المنية للمرء غافلا. وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل ، فتقديمها عليه دون العامل أجوز ، وعلى أن كافة حال من الناس ، حمله ابن عطية وقال : قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله : أي إلى العرب والعجم وسائر الأمم ، وتقدير إلى الناس كافة. انتهى. وقول الزمخشري : وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ، إلى آخر كلامه ، شنيع. لأن قائل ذلك لا يحتاج إلى أن يتأول اللام بمعنى إلى ، لأن أرسل يتعدى بإلى ويتعدى باللام ، كقوله : (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) (١). ولو تأول اللام بمعنى إلى ، لم يكن ذلك خطأ ، لأن اللام قد جاءت بمعنى إلى ، وإلى قد جاءت بمعنى اللام ، وأرسل مما جاء متعديا بهما إلى المجرور. ثم حكى تعالى مقالتهم في الاستهزاء بالبعث ، واستعجالهم على سبيل التكذيب ، ولم يجابوا بتعيين الزمان ، إذ ذاك مما انفرد تعالى بعلمه ، بل أجيبوا بأن ما وعدوا به لا بد من وقوعه ، وهو ميعاد يوم القيامة ، وتقدم الكلام على مثل هذه الجملة ، ويجوز أن يكون سؤالهم عما وعدوا به من العذاب في الدنيا واستعجلوا به استهزاء منهم. وقال أبو عبيد : الوعد والوعيد والميعاد بمعنى. وقال الجمهور : الوعد في الخير ، والوعيد في الشر ، والميعاد يقع لهذا. والظاهر أن الميعاد اسم على وزن مفعال استعمل بمعنى المصدر ، أي قل لكم وقوع وعد يوم وتنجيزه. وقال الزمخشري : الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان ، وهو هاهنا الزمان ، والدليل عليه قراءة من قرأ ميعاد يوم فأبدل منه اليوم. انتهى. ولا يتعين ما قال ، إذ يكون بدلا على تقدير محذوف ، أي قل لكم ميعاد يوم ، فلما حذف أعرب ما قام مقامه بإعرابه.

وقرأ الجمهور : (مِيعادُ يَوْمٍ) بالإضافة. ولما جعل الزمخشري الميعاد ظرف زمان قال : أما الإضافة فإضافة تبيين ، كما تقول : سحق ثوب وبعير سانية. وقرأ ابن أبي عبلة ، واليزيدي : ميعاد يوما بتنوينهما. قال الزمخشري : وأما نصب اليوم فعلى التعظيم بإضمار

__________________

(١) سورة النساء : ٤ / ٧٩.

٥٥٠

فعل تقديره لكم ميعاد ، أعني يوما ، وأريد يوما من صفته ، أعني كيت وكيت ، ويجوز أن يكون انتصابه على حذف مضاف ، ويجوز أن يكون الرفع على هذا للتعظيم. انتهى. لما جعل الميعاد ظرف زمان ، خرج الرفع والنصب على ذلك ، ويجوز أن يكون انتصابه على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم من صفته كيت وكيت. وقرأ عيسى : ميعاد منونا ، ويوم بالنصب من غير تنوين مضافا إلى الجملة ، فاحتمل تخريج الزمخشري على التعظيم ، واحتمل تخريجا على الظرف على حذف مضاف ، أي إنجاز وعد يوم كذا. وجاء هذا الجواب على طريق التهديد مطابقا لمجيء السؤال على سبيل الإنكار والتعنت ، وأنهم مرصدون بيوم القيامة ، يفاجئهم فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه. واليوم : يوم القيامة ، وهو السابق إلى الذهن ، أو يوم مجيء أجلهم عند حضور منيتهم ، أو يوم بدر ، أقوال.

و (لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ) : يعني الذي تضمن التوحيد والرسالة والبعث المتقدم ذكرها فيه. (وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) : هو ما نزل من كتب الله المبشرة برسول الله. يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب ، فأخبروهم أنهم يجدون صفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، في كتبهم ، وأغضبهم ذلك ، وقرنوا إلى القرآن ما تقدم من كتب الله في الكفر ، ويكون (الَّذِينَ كَفَرُوا) مشركي قريش ومن جرى مجراهم. والمشهور أن (بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) : التوراة والإنجيل وما تقدم من الكتب ، وهو مروي عن ابن جريج. وقالت فرقة : (بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) : هي القيامة ، قال ابن عطية : وهذا خطأ ، قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة ، وأنه المتقدم في الزمان ، وقد بيناه فيما تقدم. انتهى. (وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ) : أخبر عن حالهم في صفة التعجب منها ، وترى في معنى رأيت لإعمالها في الظرف الماضي ، ومفعول ترى محذوف ، أي حال الظالمين ، إذ هم (مَوْقُوفُونَ). وجواب لو محذوف ، أي لرأيت لهم حالا منكرة من ذلهم وتخاذلهم وتحاورهم ، حيث لا ينفعهم شيء من ذلك. ثم فسر ذلك الرجوع والجدل بأن الأتباع ، وهم الذين استضعفوا ، قالوا لرؤسائهم على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) : أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر. وأتى الضمير بعد لو لا ضمير رفع على الأفصح. وحكى الأئمة سيبويه والخليل وغيرهما مجيئه بضمير الجر نحو : لولاكم ، وإنكار المبرد ذلك لا يلتفت إليه. ولما كان مقاما ، استوى فيه المرءوس والرئيس.

بدأ الأتباع بتوبيخ مضليهم ، إذ زالت عنهم رئاستهم ، ولم يمكنهم أن ينكروا أنهم

٥٥١

ما جاءهم رسول ، بل هم مقرون. ألا ترى إلى قول المتبوعين : (بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ)؟ فالجمع المقرون بأن الذكر قد جاءهم ، فقال لهم رؤساؤهم : (أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ) ، فأتوا بالاسم بعد أداة الاستفهام إنكارا ، لأن يكونوا هم الذين صدوهم. صددتم من قبل أنفسكم وباختياركم بعد أداة الاستفهام ، كأنهم قالوا : نحن أخبرناكم وحلنا بينكم وبين الذكر بعد أن هممتم على الدخول في الإيمان ، بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم الضلالة على الهدى ، فكنتم مجرمين كافرين باختياركم ، لا لقولنا وتسويلنا. ولما أنكر رؤساؤهم أنهم السبب في كفرهم ، وأثبتوا بقولهم : (بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ) ، أن كفرهم هو من قبل أنفسهم ، قابلوا إضرابا بإضراب ، فقال الأتباع : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ) : أي ما كان إجرامنا من جهتنا ، بل مكركم لنا دائما ومخادعتكم لنا ليلا ونهارا ، إذ تأمروننا ونحن أتباع لا نقدر على مخالفتكم ، مطيعون لكم لاستيلائكم علينا بالكفر بالله واتخاذ الأنداد. وأضيف المكر إلى الليل والنهار اتسع في الظرفين ، فهما في موضع نصب على المفعول به على السعة ، أو في موضع رفع على الإسناد المجازي ، كما قالوا : ليل نائم ، والأولى عندي أن يرتفع مكر على الفاعلية ، أي بل صدنا مكركم بالليل والنهار ، ونظيره قول القائل : أنا ضربت زيدا بل ضربه عمرو ، فيقول : بل ضربه غلامك ، والأحسن في التقدير أن يكون المعنى : ضربه غلامك. وقيل : يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا ، أي سبب كفرنا. وقرأ قتادة ، ويحيى بن يعمر : بل مكر بالتنوين ، الليل والنهار نصب على الظرف. وقرأ سعيد بن جبير بن محمد ، وأبو رزين ، وابن يعمر أيضا : بفتح الكاف وشد الراء مرفوعة مضافة ، ومعناه : كدور الليل والنهار واختلافهما ، ومعناها : الإحالة على طول الأمل ، والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء الكفر بالله. وقرأ ابن جبير أيضا ، وطلحة ، وراشد هذا من التابعين ممن صحح المصاحف بأمر الحجاج : كذلك ، إلا أنهم نصبوا الراء على الظرف ، وناصبه فعل مضمر ، أي صددتمونا مكر الليل والنهار ، أي في مكرهما ، ومعناه دائما. وقال صاحب اللوامح : يجوز أن ينتصب بإذ تأمروننا مكر الليل والنهار. انتهى. وهذا وهم ، لأن ما بعد إذ لا يعمل فيما قبلها. وقال الزمخشري : بل يكون الإغراء مكرا دائما لا يفترون عنه. انتهى.

وجاء (قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) بغير واو ، لأنه جواب لكلام المستضعفين ، فاستؤنف ، وعطف (وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) على ما سبق من كلامهم ، والضمير في (وَأَسَرُّوا) للجميع المستكبرين والمستضعفين ، وهم الظالمون الموقوفون ، وتقدم الكلام في (وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ) في سورة يونس ، والندامة من المعاني القلبية ، فلا

٥٥٢

تظهر ، إنما يظهر ما يدل عليها ، وما يدل عليها غيرها ، وقيل : هو من الأضداد. وقال ابن عطية : هذا لم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد وندامة الذين استكبروا على ضلالهم في أنفسهم وإضلالهم وندامة الذين استضعفوا على ضلالهم وأتباعهم المضلين. (وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، والظاهر عموم الذين كفروا ، فيدخل فيه المستكبرون والمستضعفون ، لأن من الكفار من لا يكون له اتباع مراجعة القول في الآخرة ، ولا يكون أيضا تابعا لرئيس له كافر ، كالغلام الذي قتله الخضر. وقيل : (الَّذِينَ كَفَرُوا) هم الذين سبقت منهم المحاورة ، وجعل الأغلال إشارة إلى كيفية العذاب قطعوا بأنهم واقعون فيه فتركوا التندم. (هَلْ يُجْزَوْنَ) : معناه النفي ، ولذلك دخلت إلا بعد النفي.

(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ، وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ ، وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ ، قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ ، فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ، وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).

(وَما أَرْسَلْنا) الآية : هذه تسلية لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم ، مما مني به من قومه قريش ، من الكفر والافتخار بالأموال والأولاد. وإن ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفين مع أنبيائهم ، فلا يهمنك أمرهم. و (مِنْ نَذِيرٍ) : عام ، أي تنذرهم بعذاب الله إن لم يوحدوه. و (قالَ مُتْرَفُوها) : جملة حالية ، ونص على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل ، لما شغلوا به من زخرفة الدنيا وما غلب على عقولهم منها ، فقلوبهم أبدا مشغولة منهمكة بخلاف الفقراء. فإنهم خالون من مستلذات الدنيا ، فقلوبهم أقبل للخير ، ولذلك هم أتباع الأنبياء ، كما جاء في حديث هرقل. وبما متعلق بكافرون ، وبه متعلق بأرسلتم ، وما عامة في ما جاءت به النذر من طلب الإيمان بالله وإفراده بالعبادة والأخبار بأنهم رسله إليهم ، والبعث

٥٥٣

والجزاء على الأعمال. والظاهر أن الضمير في (وَقالُوا) عائد على المترفين ؛ وقيل : عائد على قريش ، ويدل عليه ما بعده من الخطاب في قوله : (قُلْ) ، لأن من تقدم من المترفين الهالكين لا يخاطبون ، فلا يقول إلا الموجودون ، وقوله : (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ) ؛ واحتجوا على رضا الله عنهم بإحسانه تعالى إليهم ، فلو لم يتكرم عليهم ما بوسع علينا ، وأما أنتم فلهوانكم عليه حرمكم أيها التابعون للرسل. ثم نقول : إن يعذبوا نفيا عاما ، لأن الأنبياء قد ينذرون بعذاب عاجل في الدنيا ، أو آجل في الآخرة ، فنفوا هم جميع ذلك. فإما أن يكونوا منكرين للآخرة ، فقد نفوا تعذيبهم فيها ، لأنها إذا لم تكن ، فلا يكون فيها عذاب. وإما أن يكونوا مقرين بها حقيقة ، أو على سبيل الفرض ، فيقولون : كما أنعم علينا في الدنيا ، ينعم علينا في الآخرة على حالة الدنيا قياسا فاسدا ، فأبطل الله ذلك بأن الرزق فضل منه يقسم علينا في الآخرة على حالة الدنيا ، كما شاء. (لِمَنْ يَشاءُ) ، فقد يوسع على العاصي ويضيق على الطائع ، وقد يوسع عليهما ، والوجود شاهد بذلك ، فلا تقاس التوسعة في الدنيا ، لأن ذلك في الآخرة إنما هو على الأعمال الصالحة. وقرأ الأعمش : ويقدر في الموضعين مشددا ؛ والجمهور : مخففا ، ومعناه : ويضيق مقابل يبسط.

(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ) : مثل هؤلاء الكفرة ، (لا يَعْلَمُونَ) أن الرزق مصروف بالمشيئة ، وليس دليلا على الرضا ثم أخبر تعالى أن أموالهم وأولادهم التي افتخروا بها ليست بمقربة من الله ، وإنما يقرب الإيمان والعمل الصالح. وقرأ الجمهور : (بِالَّتِي) ، وجمع التكسير من العقلاء وغيرهم يجوز أن يعامل معاملة الواحدة المؤنثة. وقال الزمخشري : ويجوز أن يكون التي هي التقوى ، وهي المقربة عند الله زلفى وحدها ، أي ليست أموالكم تلك الموضوعة للتقريب. انتهى. فجعل التي نعتا لموصوف محذوف وهي التقوى. انتهى ، ولا حاجة إلى تقدير هذا الموصوف. والظاهر أن التي راجع إلى الأموال والأولاد ، وقاله الفراء. وقال أيضا ، هو والزجاج : حذف من الأول لدلالة الثاني عليه ، والتقدير : (وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى). انتهى. ولا حاجة لتقدير هذا المحذوف ، إذ يصح أن يكون التي لمجموع الأموال والأولاد. وقرأ الحسن : باللاتي جمعا ، وهو أيضا راجع للأموال والأولاد. وقرئ بالذي ، وزلفى مصدر ، كالقربى ، وانتصابه على المصدرية من المعنى ، أي يقربكم. وقرأ الضحاك : زلفا بفتح اللام وتنوين الفاء ، جمع زلفة ، وهي القربة.

(إِلَّا مَنْ آمَنَ) : الظاهر أنه استثناء منقطع ، وهو منصوب على الاستثناء ، أي لكن

٥٥٤

من آمن ؛ (وَعَمِلَ صالِحاً) ، فإيمانه وعمله يقربانه. وقال الزجاج : هو بدل من الكاف والميم في تقربكم ، وقال النحاس : وهذا غلط لأن الكاف والميم للمخاطب ، فلا يجوز البدل ، ولو جاز هذا لجاز : رأيتك زيدا ؛ وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء. انتهى. ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضمير المخاطب والمتكلم ، لكن البدل في الآية لا يصح. ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا؟ لو قلت : ما زيد بالذي يضرب إلا خالدا ، لم يصح. وتخيل الزجاج أن الصلة ، وإن كانت من حيث المعنى منفية ، أنه يصح البدل ، وليس بجائز إلا فيما يصح التفريغ له. وقد اتبعه الزمخشري فقال : (إِلَّا مَنْ آمَنَ) استثناء من كم في تقربكم ، والمعنى : أن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله ؛ والأولاد لا تقرب أحدا إلا من علمهم الخير وفقهم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة. انتهى ، وهو لا يجوز. كما ذكرنا ، لا يجوز : ما زيد بالذي يخرج إلا أخوه ، ولا ما زيد بالذي يضرب إلا عمرا ، ولا ما زيد بالذي يمر إلا ببكر.

والتركيب الذي ركبه الزمخشري من قوله : لا يقرب أحدا إلا المؤمن ، غير موافق للقرآن ؛ ففي الذي ركبه يجوز ما قال ، وفي لفظ القرآن لا يجوز. وأجاز الفراء أن تكون من في موضع رفع ، وتقدير الكلام عنده ما هو المقرب (إِلَّا مَنْ آمَنَ). انتهى. وقوله كلام لا يتحصل منه معنى ، كأنه كان نائما حين قال ذلك.

وقرأ الجمهور : (جَزاءُ الضِّعْفِ) على الإضافة ، أضيف فيه المصدر إلى المفعول ، وقدره الزمخشري مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله ، فقال : أن يجاوز الضعف ، والمصدر في كونه يبنى للمفعول الذي لم يسم فاعله فيه خلاف ، والصحيح المنع ، ويقدر هنا أن يجاوز الله بهم الضعف ، أي يضاعف لهم حسناتهم ، الحسنة بعشر أمثالها ، وبأكثر إلى سبعمائة لمن يشاء. وقرأ قتادة : جزاء الضعف برفعهما ؛ فالضعف بدل ، ويعقوب في رواية بنصب جزاء ورفع الضعف ، وحكى هذه القراءة الداني عن قتادة ، وانتصب جزاء على الحال ، كقولك : في الدار قائما زيد. وقرأ الجمهور : (فِي الْغُرُفاتِ) جمعا مضموم الراء ؛ والحسن ، وعاصم : بخلاف عنه ؛ والأعمش ، ومحمد بن كعب : بإسكانها ؛ وبعض القراء : بفتحها ؛ وابن وثاب ، والأعمش ، وطلحة ، وحمزة : وأطلق في اختياره في الغرفة على التوحيد ساكنة الراء ؛ وابن وثاب أيضا : بفتحها على التوحيد. ولما ذكر جزاء من آمن ، ذكر عقاب من كفر ، ليظهر تباين الجزأين ، وتقدم تفسير نظير هذه الكلمة. ولما كان افتخارهم بكثرة الأموال والأولاد ، أخبروا أن ذلك على ما شاء الله كبر ، وذلك المعنى تأكيد

٥٥٥

أن ذلك جار على ما شاء الله ، إلا أن ذلك على حسب الاستحقاق ، لا التكرمة ، ولا الهوان. ومعنى (فَهُوَ يُخْلِفُهُ) : أي يأتي بالخلف والعوض منه ، وكان لفظ من عباده مشعرة بالمؤمنين ، وكذلك الخطاب في (وَما أَنْفَقْتُمْ) : يقصد هنا رزق المؤمنين ، فليس مساق.

(قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ) : مساق ما قيل للكفار ، بل مساق الوعظ والتزهيد في الدنيا ، والحض على النفقة في طاعة الله ، وإخلاف ما أنفق ، إما منجزا في الدنيا ، وإما مؤجلا في الآخرة ، وهو مشروط بقصد وجه الله. وقال مجاهد : من كان عنده من هذا المال ما يقيمه فليقتصد ، وأن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم له قليل ، وهو ينفق نفقة الموسع عليه ، فينفق جميع ما في يده ، ثم يبقى طول عمره في فقر ولا يتأتى. (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ) : في الآخرة ، ومعنى الآية : ما كان من خلف فهو منه. وجاء (الرَّازِقِينَ) جمعا ، وإن كان الرازق حقيقة هو الله وحده ، لأنه يقال : الرجل يرزق عياله ، والأمير جنده ، والسيد عبده ، والرازقون جمع بهذا الاعتبار ، لكن أولئك يرزقون مما رزقهم الله ، وملكهم فيه التصرف ، ولله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ، ومن إخراج من عدم إلى وجود.

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً) : أي المكذبين ، من تقدم ومن تأخر. وقرأ الجمهور : نحشرهم ، نقول بالنون فيهما ، وحفص بالياء ، وتقدمت في الأنعام (١). وخطاب الملائكة تقريع للكفار ، وقد علم تعالى أن الملائكة منزهون برآء مما وجه عليهم من السؤال ، وإنما ذلك على طريق توقيف الكفار ، وقد علم سوء ما ارتكبوه من عبادة غير الله ، وأن من عبدوه متبرئ منهم. و (هؤُلاءِ) مبتدأ. وخبره (كانُوا يَعْبُدُونَ) ، و (إِيَّاكُمْ) مفعول (يَعْبُدُونَ). ولما تقدم انفصل ، وإنما قدم لأنه أبلغ في الخطاب ، ولكون (يَعْبُدُونَ) فاصلة. فلو أتى بالضمير منفصلا ، كان التركيب يعبدونكم ، ولم تكن فاصلة. واستدل بتقديم هذا المعمول على جواز تقديم خبر كان عليها إذا كان جملة ، وهي مسألة خلاف ، أجاز ذلك ابن السراج ، ومنع ذلك قوم من النحويين ، وكذلك منعوا توسطه إذا كان جملة. قال ابن السراج : القياس جواز ذلك ، ولم يسمع. ووجه الدلالة من الآية أن تقديم المعمول مؤذن بتقديم العامل ، فكما جاز تقديم (إِيَّاكُمْ) ، جاز تقديم (يَعْبُدُونَ) ، وهذه القاعدة ليست مطردة ، والأولى منع ذلك إلى أن يدل على جوازه سماع من العرب. ولما أجابوا الله بدأوا بتنزيهه وبراءته من كل سوء ، كما قال عيسى عليه‌السلام : (سُبْحانَكَ) ، ثم انتسبوا إلى موالاته دون أولئك الكفرة ، أي (أَنْتَ وَلِيُّنا) ، إذ لا موالاة بيننا وبينهم.

__________________

(١) سورة الأنعام : ٦ / ١٢٨.

٥٥٦

وفي قولهم : (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) ، إشعار لهم بما عبدوه ، وإن لم يصرح به. لكن الإضراب ببل يدل عليه وذلك لأن المعبود إذا لم يكن راضيا بعبادة عابده مريدا لها ، لم يكن ذلك العابد عابدا له حقيقة ، فلذلك قالوا : (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) ، لأن أفعالهم القبيحة من وسوسة الشياطين وإغوائهم ومراداتهم عابدون لهم حقيقة ، فلذلك قالوا : (بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ) ، إذ الشياطين راضون تلك الأفعال. وقيل : صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن ، وقالوا : هذه صور الملائكة فاعبدوها. وقيل : كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت ، فيعبدون بعبادتها. وقال ابن عطية : لم تنف الملائكة عبادة البشر إياها ، وإنما أقرت أنها لم يكن لها في ذلك مشاركة. وعبادة البشر الجن هي فيما يقرون بطاعتهم إياهم ، وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم ، فهذا نوع من العبادة. وقد يجوز أن يكون في الأمم الكافرة من عبد الجن ، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت ، في سورة الأنعام وغيرها. انتهى. وإذا هم قد عبدوا الجن ، فما وجه قولهم : أكثرهم مؤمنون ، ولم يقولوا جميعهم ، وقد أخبروا أنهم كانوا يعبدون الجن؟ والجواب أنهم لم يدعوا الإحاطة ، إذ قد يكون في الكفار من لم يطلع الملائكة عليهم ، أو أنهم حلموا على الأكثر بإيمانهم بالجن لأن الإيمان من عمل القلب ، فلم يذكروا الاطلاع على جميع أعمال قلوبهم ، لأن ذلك لله تعالى. ومعنى (مُؤْمِنُونَ) : مصدقون أنهم معبودوهم ، وقيل : مصدقون أنهم بنات الله ، وأنهم ملائكة ، (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً) (١). وأما من قال بأن الأكثر بمعنى الجميع ، فلا يرد عليه شيء ، لكنه ليس موضوع اللغة.

(فَالْيَوْمَ) : هو يوم القيامة ، والخطاب في (بَعْضُكُمْ) ، قيل : للملائكة ، لأنهم المخاطبون في قوله : (أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ) ، ويكون ذلك تبكيتا للكفار حين بين لهم أن من عبدوه لا ينفع ولا يضر ، ويؤيده : (وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى) (٢) ، ولأن بعده : (وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا) ، ولو كان الخطاب للكفار ، لكان التركيب فذوقوا. وقيل : الخطاب للكفار ، لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم ، ويكون قوله : ويقول ، تأكيدا لبيان حالهم في الظل. وقيل : هو خطاب من الله لمن عبد ومن عبد. وقوله : (نَفْعاً) ، قيل : بالشفاعة ، (وَلا ضَرًّا) بالتعذيب. وقيل هنا : (الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ) ، وفي السجدة : (الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) (٣) كل منهما ، أي من العذاب ومن النار ، لأنهم هنا لم يكونوا ملتبسين بالعذاب ،

__________________

(١) سورة الصافات : ٣٧ / ١٥٨.

(٢) سورة الأنبياء : ٢١ / ٢٨.

(٣) سورة السجدة : ٣٢ / ٢٠.

٥٥٧

بل ذلك أول مارأوا النار ، إذ جاء عقيب الحشر ، فوصفت لهم النار بأنها هي التي كنتم تكذبون بها. وأما الذي في السجدة ، فهم ملابسو العذاب ، متردّدون فيه لقوله : (كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها) (١) ، فوصف لهم العذاب الذي هم مباشروه ، وهو العذاب المؤبد الذي أنكروه.

والإشارة بقوله : (ما هذا إِلَّا رَجُلٌ) ، إلى تالي الآيات ، المفهوم من قوله : (وَإِذا تُتْلى) ، وهو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم. وحكى تعالى مطاعنهم عند تلاوة القرآن عليهم ، فبدأوا أولا : بالطعن في التالي ، فإنه يقدح في معبودات آلهتكم. ثانيا : فيما جاء به الرسول من القرآن ، بأنه كذب مختلق من عنده ، وليس من عند الله. وثالثا : بأن ما جاء به سحر واضح لما اشتمل على ما يوجب الاستمالة وتأثير النفوس له وإجابته. وطعنوا في الرسول ، وفيما جاء به ، وفي وصفه ، واحتمل أن يكون ذلك صدر من مجموعهم ، واحتمل أن تكون كل جملة منها قالها قوم غير من قال الجملة الأخرى. وفي قوله : (لَمَّا جاءَهُمْ) دليل على أنه حين جاءهم لم يفكروا فيه ، بل بادروه بالإنكار ونسبته إلى السحر ، ولم يكتفوا بقولهم ، إنه سحر حتى وصفوه بأنه واضح لمن يتأمله. وقيل : إنكار القرآن والمعجزة كان متفقا عليه من المشركين وأهل الكتاب ، فقال تعالى : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِ) ، على وجه العموم.

(وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ، وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ، قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ ، قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ، قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ ، قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ، وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ، وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ، وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ، وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ).

(وَما آتَيْناهُمْ) : أهل مكة ، (مِنْ كُتُبٍ) ، قال السدي : من عندنا ، فيعلموا بدراستها بطلان ما جئت به. وقال ابن زيد : فنقضوا أن الشرك جائز ، وهو كقوله : (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ

__________________

(١) سورة السجدة : ٣٢ / ٢٠.

٥٥٨

سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) (١). وقال قتادة : ما أنزل الله على العرب كتابا قبل القرآن ، ولا بعث إليهم نبيا قبل محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. والمعنى : من أين كذبوا ، ولم يأتهم كتاب ، ولا نذير بذلك؟ وقيل : وصفهم بأنهم قوم آمنون ، أهل جاهلية ، ولا ملة لهم ، وليس لهم عهد بإنزال الكتاب ولا بعثة رسول. كما قال : (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) (٢) ، فليس لتكذيبهم وجه مثبت ، ولا شبهة تعلق. كما يقول أهل الكتاب ، وإن كانوا مبطلين : نحن أهل الكتاب والشرائع ، ومستندون إلى رسل من رسل الله. وقيل : المعنى أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله ، يقول بعضهم سحر ، وبعضهم افتراء ، ولا يستندون فيه إلى أثارة من علم ، ولا إلى خبر من يقبل خبره. فإنا آتيناهم كتبا يدرسونها ، ولا أرسلنا إليهم رسولا ولا نذيرا فيمكنهم أن يدعوا ، إن أقوالهم تستند إلى أمره.

وقرأ الجمهور : (يَدْرُسُونَها) ، مضارع درس مخففا ؛ وأبو حيوة : بفتح الدال وشدها وكسر الراء ، مضارع ادّرس ، افتعل من الدرس ، ومعناه : تتدارسونها. وعن أبي حيوة أيضا : يدرسونها ، من التدريس ، وهو تكرير الدرس ، أو من درس الكتاب مخففا ، ودرّس الكتاب مشددا التضعيف باعتبار الجمع. ومعنى (قَبْلَكَ) ، قال ابن عطية : أي وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ، ولا يباشر أهل عصرهم ، ولا من قرب من آبائهم. وقد كانت النذارة في العالم ، وفي العرب مع شعيب وصالح وهود. ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه ، وإنما المعنى : من نذير يختص بهؤلاء الذين بقيت إليهم ، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل ، والله تعالى يقول : (إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا) (٣) ، ولكن لم يتجرد للنذارة ، وقاتل عليها ، إلا محمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. انتهى.

(وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) : توعد لهم ممن تقدمهم من الأمم ، وما آل إليه أمرهم ، وتسلية لرسوله بأن عادتهم في التكذيب عادة الأمم السابقة ، وسيحل بهم ما حل بأولئك. وأن الضميرين في : (بَلَغُوا) وفي : (ما آتَيْناهُمْ) عائدان على (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، ليتناسقا مع قوله تعالى : (فَكَذَّبُوا) ، أي ما بلغوا في شكر النعمة وجزاء المنة معشار ما آتيناهم من النعم والإحسان إليهم. وقال ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد : الضمير في (بَلَغُوا) لقريش ، وفي (ما آتَيْناهُمْ) للأمم (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ). والمعنى : وما بلغ هؤلاء بعض ما آتينا أولئك من طول الأعمار وقوة الأجسام وكثرة الأموال ، وحيث كذبوا رسلي

__________________

(١) سورة الروم : ٣٠ / ٣٥.

(٢) سورة الزخرف : ٤٣ / ٢١.

(٣) سورة مريم : ١٩ / ٥٤.

٥٥٩

جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال ، ولم يغن عنهم ما كانوا فيه من القوة ، فكيف حال هؤلاء إذا جاءهم العذاب والهلاك؟ وقيل : الضمير في (بَلَغُوا) عائد على (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، وفي (آتَيْناهُمْ) على قريش ، وما بلغ الأمم المتقدمة معشار ما آتينا قريشا من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به. وأورد ابن عطية هذه الأقوال احتمالات ، والزمخشري ذكر الثاني ، وأبو عبد الله الرازي اختار الثالث ، قال : أي (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البرهان ، وذلك لأن كتاب محمد ، عليه‌السلام ، أكمل من سائر الكتب وأوضح ، ومحمد ، عليه‌السلام ، أفضل من جميع الرسل وأفصح ، وبرهانه أوفى ، وبيانه أشفى ، ويؤيد ما ذكرنا ، (وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها) تغني عن القرآن. فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب ، حمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب ، وكان أولى. انتهى.

وعن ابن عباس : فليس أنه أعلم من أمّته ، ولا كتاب أبين من كتابه. والمعشار مفعال من العشر ، ولم يبن على هذا الوزن من ألفاظ العدد غيره وغير المرباع ، ومعناهما : العشر والربع. وقال قوم : المعشار عشر العشر. قال ابن عطية : وهذا ليس بشيء. انتهى. وقيل : والعشر في هذا القول عشر المعشرات ، فيكون جزءا من ألف جزء. قال الماوردي : وهو الأظهر ، لأن المراد به المبالغة في التقليل. وقال الزمخشري : فإن قلت : ما معنى (فَكَذَّبُوا رُسُلِي) ، وهو مستغنى عنه بقوله (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)؟ قلت : لما كان معنى قوله : (وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، وفعل الذين من قبلهم التكذيب ، وأقدموا عليه ، جعل تكذيب الرسل مسببا عنه ، ونظيره أن يقول القائل : أقدم فلان على الكفر ، فكفر بمحمد صلى‌الله‌عليه‌وسلم. ويجوز أن ينعطف على قوله : (ما بَلَغُوا) ، كقولك : ما بلغ زيد معشار فضل عمرو ، فيفضل عليه. (فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ) : للمكذبين الأوّلين ، فليحذروا من مثله. انتهى. وفكيف : تعظيم للأمر ، وليست استفهاما مجردا ، وفيه تهديد لقريش ، أي أنهم معرضون لنكير مثله ، والنكير مصدر كالإنكار ، وهو من المصادر التي جاءت على وزن فعيل ، والفعل على وزن أفعل ، كالنذير والعذير من أنذر وأعذر ، وحذفت إلى من نكير تخفيفا لأنها أجزأته.

(قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ) ، قال : هي طاعة الله وتوحيده. وقال السدي : هي لا إله إلّا الله. قال قتادة : هي أن تقوموا. قال أبو علي : (أَنْ تَقُومُوا) في موضع خفض على البدل من واحدة. وقال الزمخشري : (بِواحِدَةٍ) : بخصلة واحدة ، وهو فسرها بقوله : (أَنْ تَقُومُوا) على أن عطف بيان لها. انتهى. وهذا لا يجوز ، لأن بواحدة نكرة ، وأن تقوموا

٥٦٠