إيضاح تردّدات الشرائع - ج ١

نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي

إيضاح تردّدات الشرائع - ج ١

المؤلف:

نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي

المحقق: السيد مهدي الرّجائي المترجم:
الموضوع : الفقه الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي المطبعة: مطبعة سيد الشهداء عليه السلام
نسخة غير مصححة

١
٢

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تمهيد :

لقد اتجه علماء الشيعة اتجاها ملحوظا في جميع الميادين العلمية منذ أقدم عصورهم ، وامتد نشاطهم وحركتهم الفكرية الى كل ما كان هناك من علوم معروفة وشمل نشاطهم الى جانب الفقه وأصوله والكلام وعلوم القرآن واللغة والادب سوى ذلك من العلوم الاخرى ، ونجد هذا النشاط بارزا على مؤلفاتهم الكثيرة التي تعكس اتجاههم العلمي ونشاطهم الفكري.

والانصاف يحتم علينا ان لا ننسى لهم ما قاموا به من الادوار الكبيرة في الحركة الثقافية في الاحقاب الاسلامية الماضية ، وما ساهم به اتجاههم هذا الممعن بحثا ، الذي جاب مناطق الانسان والحياة في بناء الحضارة الاسلامية ، واقامة دعائمها على أسس قويمة منتجة.

انه لمن المدهش حقا أن نجد كثيرا من مفكري الشيعة وعلمائهم قد سبقوا عصورهم بأجيال بمعلوماتهم ونظرياتهم وآثارهم ، وتركوا حقائق علمية مثيرة.

ومن مجاهيل علماء الشيعة الذين برزوا في هذه الميادين العلمية والثقافية هو الشيخ الفقيه المحقق الاصولي المتكلم المولى نجم الدين جعفر بن الزهدري الحلي

٣

الذي كان من أجلة عصره في الفقه والاصول والكلام ، أسكنه الله بحبوحات جناته.

حياة المؤلف :

مع الاسف لم أعثر على ذكر وترجمة للمؤلف في كتب الاصحاب ، لا في كتب تراجمهم ، ولا في كتبهم الفقهية والاصولية والكلامية ، وأصبح ذكره وترجمته خامدا ، ولم يكشف التاريخ الغطاء عن ترجمته ، وبقي مخمول الذكر كأمثاله من الاعلام المجهولين في كل الاعصار والاجيال.

مع أنك سترى اقبال الاعلام وأفاضل عصره وممن تأخر عنه على كتابه هذا حتى استنسخ الكتاب في مدة سنتين مرتين على ما وصل إلينا ، واستنسخه أيضا المحقق العلامة الشيخ أحمد بن فهد الحلي المتوفى سنة (٨٤١) هـ بخطه الشريف كما يظهر من مقابلة احدى النسختين الموجودة عندي مع خطه الشريف ، وهذا مما يكشف عن جلالة المؤلف وكتابه في تلك الاجيال والعصور.

والظاهر أن الشهيد الثاني ينقل عن كتابه هذا ، كما يظهر من الذريعة.

أساتذته :

من المشهود في كتابه الايضاح أن المترجم له كان من أبرز تلامذة العلامة الحلي المتوفى سنة (٧٢٦) هـ.

وأنه ألف كتابه هذا في زمن حياة العلامة ، حيث أنه يعبر عنه فيه بقوله « قال شيخنا دامت فضائله » وقوله « شيخنا دام ظله في المختلف ».

وأنه قرأ عليه كتاب الشرائع للمحقق الحلي المتوفى سنة (٦٧٦) هـ كما يدل عليه كلامه في توجيه عبارة الشرائع حيث قال : أقول الذي سمعت من شيخنا وقت القراءة عليه أن المراد بالوجه الاخر هنا عدم صحة الخ.

وأنه كان ممن صاحبه كثيرا واعتنى باستاده كل العناية ، كما يدل عليه قوله

٤

« ولقد سمعت شيخنا كثيرا ما يقول : قد يشير المصنف ـ أي : المحقق ـ تارة الى خلاف الجمهور وتارة الى ما يختاره الخ. ونقل في موارد قليلة جدا عن كتابه المختلف والمنتهى والقواعد.

هذا وقد عبر في موضع أو موضعين عن المحقق نجم الدين صاحب الشرائع والنكت بقوله « ذكره شيخنا نجم الدين في النكت » وهذا مما يتوهم في بادئ النظر أنه كان من أساتذته ، ولكن يبعد ذلك امور : منها تعبيره أيضا عن الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس الله أسرارهما بقوله « شيخنا المفيد » و« شيخنا الطوسي » وهذا مما يوهن ذلك.

ومنها مناقشاته الكثيرة مع المحقق الابي صاحب كتاب كشف الرموز حيث أنه كان من تلامذة المحقق ، وقد صرح في مواضع من الكتاب أنه قرأ على المحقق كتاب الشرائع وأنه أعرف بكلام استاده ، وهذا مما يوهن أنه ما تلمذ عند المحقق ، والا ما كان يحيل الى صاحب كشف الرموز.

ومنها عدم تصريحه على أنه تلمذ عنده أو ما يدل على ذلك ، والله أعلم.

تآليفه القيمة :

١ ـ إيضاح ترددات الشرائع ، سيأتي البحث حوله.

٢ ـ مناهج الوصول ، ان المؤلف حيث تعرض في كتابه هذا للمسائل الاصولية ذكر أنه حققه في كتب الاصولية ، أو أصول الفقه وغيرهما من التعبيرات الدالة على ذلك الى أن صرح في موضع واحد من الكتاب في مبحث انعقاد الاحرام للمتمتع والمفرد بالتلبية ، تعرض لمبحث الاستثناء ، ثم قال : وقد بينا ضعفه في كتاب مناهج الوصول. وهذا الكتاب أيضا من الكتب المجهولة التي لم يتعرض له الاصحاب حسب استقرائي.

٣ ـ كتاب في علم الكلام ، وقد أشار إليه في الكتاب ، حيث يتعرض للمسائل الكلامية ويحيل إليه ، ولكن ما صرح باسم الكتاب في أي موضع من الكتاب.

٥

حول الكتاب :

هذا الكتاب هو شرح على ترددات الشرائع ، حيث أنه قدس‌سره كشف الغطاء والابهام عن الترددات الموجودة في الشرائع المصرحة بقوله « فيه تردد » أو « على الاشبه » أو « على الاصح » وغيرها من الموارد التي تردد فيها صاحب الشرائع ، فالمؤلف بين وجه التردد وأدلة الطرفين واختار الوجه الصحيح عنده وهذا أول أثر يخرج الى عالم النور في شرح ترددات الشرائع.

ومن الجدير بالذكر أدبه البليغ بالنسبة الى الاقطاب الثلاث : السيد المرتضى والشيخ المفيد والشيخ الطوسي قدس الله أسرارهم ، حيث أنه يعبر عنهم بتعابير لم أر مثلها في كتب الاصحاب ، كقوله عنهم « كرم الله محله » وغيره من التعبيرات المشهودة في الكتاب.

ويتعرض كثيرا لآراء الشيخ المحقق ابن ادريس صاحب كتاب السرائر ويعبر عنه في الكتاب بقوله « المتأخر » ولكن خالف مسلكه في العمل بخبر الواحد وذهب الى حجيته ، ومع هذا يطرح أخبار الفطحية والواقفية وأمثالهما وان كانوا ثقاة.

ويتعرض كثيرا لكلام الشيخ الطوسي قدس الله سره في كتبه الممتعة وكذا لكلام السيد المرتضى كرم الله محله وكذا عن المحقق أبي الصلاح الحلبي وسلار وغيرهم ممن تقدمه.

ويتعرض أحيانا لكلام المحقق الابي في كتابه كشف الرموز ويناقش فيه ، كما لا يخفى على المراجع ، وصرح بأن له حاشية على الشرائع.

وينقل عن كتب كان عنده حين تأليف الكتاب ، منها المسائل الكمالية للمحقق الحلي ، ومنها المسائل الحائريات للشيخ الطوسي ، ومنها كتاب الواسطة وكتاب الرائع للراوندي وغيرها.

٦

ولادته ووفاته :

لم أعثر في الكتاب على تاريخ يدل على ولادته ووفاته فيه ، ولكن من المسلم أنه كان من أعلام القرن الثامن الهجري.

ولعل الله يقيظ رجالا لاحياء ذكره وترجمته إن شاء الله تعالى.

فى طريق التحقيق :

قابلت الكتاب واستنسخته من نسختين نفيستين وهما :

١ ـ نسخة مخطوطة كاملة من أولها الى آخرها غير الورقة الاولى ، بخط النسخ الحلي ، وهي تقع في (٣٥٠) صحيفة ، كل صفحة (٢٥) سطرا ، كاتبها علي ابن حسن بن أحمد بن ابراهيم بن مظاهر ، استنسخها عن نسخة المؤلف بخطه تاريخ كتابتها سنة ( ٧٥٤ هـ ) ترى نماذج النسخة في نهاية المقدمة ، والنسخة محفوظة في مكتبة آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف برقم (٥١٧٧) وجعلت رمز النسخة « م ».

٢ ـ نسخة كاملة من أولها الى آخرها غير الورقة الاولى أيضا ، بخط النسخ الحلي أيضا ، وهي تقع في (٢٨٢) صحيفة ، كل صفحة (٢٢) سطرا ، وعلى هوامش النسخة علامة المقابلة والتصحيح ، وقوبل النسخة أيضا على نسخة المحقق المولى الشيخ أحمد بن فهد الحلي التي استنسخها بخطه الشريف ، كما أشار في مواضع في هوامش النسخة وأشرت الى ذلك في تعاليقي على الكتاب ، تاريخ كتابتها سنة (٧٥٦) ، والنسخة محفوظة في مكتبة مجلس الشورى برقم (٥٥٠٨) وجعلت رمز النسخة « س ».

وقد بذلت الوسع والطاقة في استنساخ الكتاب ، حيث أن النسختين كانتا بالخط الحلي ، وهو من أصعب الخطوط المتداولة قراءة ، كما لا يخفى على أربابها

٧

وحققت الكتاب حق التحقيق والتصحيح ، وعرضه على الاصول المنقولة عنها ، أو المصادر المأخوذة منها.

وأرجو من العلماء الافاضل والاعزاء الكرام الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لديهم من الاطلاع على ترجمة المؤلف وسائر تأليفاته ، حتى نستدركها في الطبعة القادمة. وأيضا يمنوا علينا بما لديهم من النقد وتصحيح ما لعلنا وقعنا فيه من الاخطاء والاشتباهات والزلات.

وبالختام اني اقدم ثنائي العاطر لادارة المكتبة العامة التي أسسها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد شهاب الدين المرعشي النجفي دام ظله الوارف ، على اهتمامها في احياء آثار أسلافنا المتقدمين ، وأسأل الله تعالى أن يديم ظل سماحته المديد لرعاية هذه الحركة المباركة. وأطلب إليه جل وعز أن يزيد في توفيق ولده البار الرءوف العلامة السيد محمود المرعشي حفظه الله ، فانه خير ناصر ومعين.

والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ، ونستغفره مما وقع من خلل وحصل من زلل ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا والخيانة بالامانات ، وتضييع حقوق المؤمنين ، وزلات أقدامنا ، وعثرات أقلامنا فهو الهادي الى الرشاد ، والموفق للصواب والسداد ، والسلام على من اتبع الهدى.

١٣ ـ رجب المرجب ـ ١٤٠٨ قم المشرفة

ص ـ ب ٧٥٣ ـ ٣٧١٨٥

السيد مهدى الرجائى

٨

٩

١٠

١١

١٢

١٣

١٤

١٥

١٦

إيضاح ترددات

الشرائع

١٧
١٨

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

اللهم اني أحمدك حمدا يقل فى انتشاره حمد كل حامد ، ويضمحل باشتهاره جحد كل جاحد ، ويفل بغراره حسد كل حاسد ، ويحل باعتباره عقد كل كائد. وأشهد أن لا إله الا الله ، شهادة أعتد بها لدفع الشدائد ، واسترد بها شارد النعم الاوابد ، واصلي على سيدنا محمد ، الهادي الى أمتن العقائد وأحسن القواعد ، الداعي الى أنجح المقاصد وأرجح الفوائد ، وعلى آله الغر الاماجد ، المقدمين على الاقارب والاباعد ، المؤيدين فى المصادر والموارد ، صلاة تسمع كل غائب وشاهد ، وتقمع كل شيطان مارد (١).

__________________

(١) هذه الخطبة انتخبتها من كتاب الشرائع.

١٩

فصل

( فى ذكر الترددات المذكورة فى كتاب الطهارة )

قال رحمه‌الله : وأما المحقون ، فما كان منه دون الكر ، فانه ينجس بملاقاة النجاسة ، ويطهر بإلقاء كر عليه فما زاد دفعة ، ولا يطهر باتمامه كرا ، على الاظهر.

أقول : ذهب السيد (١) المرتضى الى أنه يطهر بالاتمام ، وتبعه ابن البراج وسلار والمتأخر ، والحق أنه لا يطهر ، وهو اختيار الشيخ فى الخلاف (٢) وأبي علي ابن الجنيد.

لنا ـ أن الطهارة حكم شرعي ، فتقف على الدليل الشرعي. وحيث لا دلالة فلا حكم.

واحتجاج السيد بأن النجاسة الواقعة بعد البلوغ غير مؤثرة ، فكذا قبله لوجود الكرية الدافعة للنجاسة فى الصورتين ، ضعيف ، أما أولا فانه قياس ، وهو باطل عندنا. وأما ثانيا فلوجود الفارق ، اذ البالغ كرا ذو قوة دافعة ، بخلاف الباقى اذ هو قابل للانفعال ، واذ انفعل لم يبق له قوة دافعة.

__________________

(١) من هنا يبدأ من نسخة « م ».

(٢) الخلاف ١ / ١٩٤. مسألة ١٤٩.

٢٠