ورابعها : أنّ المراد به وصف حالهم يوم القيامة فهو مثل قوله : « إذ الأغلال في أعناقهم فهم مقمحون » أراد أنّ أيديهم لمّا غلّت إلى أعناقهم ورفعت الأغلال أذقانهم و رؤوسهم صعدا فهم مرفوع الرأس برفع الأغلال إيّاها ، والمقمح : الغاضّ بصره بعد رفع رأسه . « وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ » (١) هذا على أحد الوجهين تشبيه لهم بمن هذه صفته في إعراضهم عن الإيمان وقبول الحقّ ، وذلك عبارة عن خذلان الله إيّاهم لمّا كفروا ، فكأنّه قال : وتركناهم مخذولين فصار ذلك
____________________
(١) قال الرضي رحمه الله : وهاتان استعارتان ، ومن أوضح الادلة على ذلك أن الكلام كله في أوصاف القوم المذمومين ، وهم في أحوال الدنيا دون الاخرة ، ألا ترى قوله تعالى بعد ذلك : « سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ » واذا كان الكلام محمولا على أحوال الدنيا دون الاخرة وقد علمنا أن هؤلاء القوم الذين ذهب الكلام اليهم كان الناس يشاهدونهم غير مقمحين بالاغلال ولا مضروبا عليهم بالاسداد علمنا أن الكلام خرج مخرج قوله سبحانه : « خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ » الخ فكانّ ذلك وصف لما كان عليه الكفار عند سماع القرآن من تنكيس الاذقان وليّ الاعناق ذهابا عن الرشد ، واستكباراً عن الانقياد للحق ، وضيق صدورهم بما يرد عليهم من صوادع البيان وقوارع القرآن ؛ وقد اختلف في معنى الاقماح فقال قوم : هو غض الابصار واستشهدوا بقول بشر بن أبي حازم في ذكر السقيفة : ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالابل القماح . وقال قوم : المقمح الرافع رأسه صعداً فكان هؤلاء المذمومين شبهوا على المبالغة في وصف تكارههم للايمان ، وتضايق صدورهم لسماع القرآن بقوم عوقبوا فجذبت أعناقهم بالاغلال إلى صدورهم مضمومة إليها أيمانهم ثم رفعت ليكون ذلك أشد لإيلامهم وأبلغ في عذابهم . وقيل : إن المقمح : الغاض بصره بعد رفع رأسه ، فكانه جامع بين الصفتين جميعاً . وقيل : إن قوله تعالى : « فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ » يعنى به أيمانهم المجموعة بالاغلال الى أعناقهم ، فاكتفى بذكر الاعناق من الايمان ، لان الاغلال تجمع بين الايمان والاعناق ، وكذلك معنى السد المجعول بين أيديهم ومن خلفهم انما هو تشبيه بمن قصر خطوه ، واخذت عليه طرقه ، ولما كان ما يصيبهم من هذه المشاق المذكورة والاحوال المذمومة انما هو عقيب تلاوة القرآن عليهم ، ونفت قوارعه في أسماعهم حسن أن يضيف سبحانه الى نفسه فيقول : انا جعلناهم على تلك الصفات . وقد قریء سداً بالفتح وسداً بالضم ، وقيل : إن السد بالفتح ما يصنعه الناس ، وبالضم : ما يصنعه الله تعالى . وقال بعضهم : المراد بذكر السد ههنا الاخبار عن خذلان الله اياهم وتركه نصرهم ومعونتهم ، كما تقول العرب في صفة الضال المتحير : فلان لا ينفذ في طريق يسلكه ، ولا يعلم أمامه أم وراءه خير له . وأما قوله سبحانه : « فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ » فهو أيضا في معنى الختم والطبع ، وواقع على الوجه الذي يقعان عليه ، وقد تقدم ايماؤنا اليه .
![بحار الأنوار [ ج ٥ ] بحار الأنوار](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F516_behar-alanwar-05%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)

