وإذا صحّ أن الشعر المنسوب إلى حسّان بن ثابت الذي افتخر فيه بانتسابه إلى (هود بن عابر)، وبأن قومه وهم من (قحطان) منهم، هو لهذا الشاعر حقا، يكون لدينا أول دليل يثبت أن هذا الانتساب كان معروفًا عند ظهور الإسلام (١). وأن أهل (يثرب)، وهم من الأوس والخزرج، وهم من قحطان في عُرف النَّسّابين، كانوا قد انتسبوا إليه قبل الإسلام. أخذوا ذلك من اليهود النازلين بينهم، الذين كانوا يحاولون التقرب إلى أهل يثرب، للعيش معهم عيشة طيبة. فأشاعوا بين الناس أن (عابرا)، وهو جدّ العبرانيين، ووالد ولدين هما (فالغ) و(يقطان) كان جدّهم وجدّ أهل يثرب، لأن أصلهم من يقطان، وأن علاقتهم لذلك بهم هي علاقة أبناء عمّ بأبناء عمّ. ولما نزل الوحي بخبر (هود)، وتفاخر المكّيّون على أهل يثرب الإسلام، استعار أهل يثرب (هودا)، وصيّروه (قحطانًا)، أو ابنًا له، وانتسبوا إليه، ليظهروا بذلك أنهم كانوا أيضا من نسل نبي، وأن نبوءة قديمة كانت فيهم، وقد كان (حسان بن ثابت) من المتعصبين للأزد قوم أهل يثرب، والأزد من قحطان، وكان من المتباهين بيمن وقحطان.
لقمان:
ومن قبائل عاد قبيلة كان فيها (لقمان) الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وفي الشعر الجاهلي وفي القصص (٢). وقد ضُرب به المثل بطول العمر، فعُدّ في طليعة المُعَمّرين (٣)، وعدّه (أبو حاتم السجستاني) ثاني المُعَمّّرين في العالم بعد
____________________
(١) (أبونا نبي الله هود بن عامر)، وسأتكلم عن ذلك في موضع آخر من هذا الكتاب وعندي أنه متحول، وأنه حمل عليه.
(٢) سورة لقمان، تفسير الطبري (٢١/ ٣٩) (القاهرة ١٣٢١هـ)، قال صريم بن معشر بن ذهل المعروف بت (أفنون):
|
لو أنني كنت مع عاد ومن أرم |
|
ربيت فيهم ولقمان ومن جدن |
المفضليات (ص٥٢٥)، ديوان النابغة مع شرحه للبطليوسي (ص٧٥).
|
نمين فلا له في سوق رأس |
|
إلى لقمان في سوق مقام |
البيان والتبيين (١/ ٢٣).
(٣) Enc, Vol., ٣, P. ٣٥, Goldziher, Abhandlungen zur arabischen Philologle, S. ٢, Leiden, ١٨٩٩, Rene Basset, Loqman Paris, ١٨٩٠, Wensinck, P. ٣٦٥
![المفصَّل في تاريخ العَرب قبل الإسلام [ ج ١ ] المفصَّل في تاريخ العَرب قبل الإسلام](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4749_Al-Mofasal-Fi-Tarikh-Al-Arab-01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)