والفصاحة منها تستفاد ، وأصحاب القياس عليها يبنون ، وأهل المقالات بها يحتجّون ، ومعرفة الناس منها تؤخذ ، وأمثال الحكماء فيها توجد ، ومكارم الأخلاق ومعاليها منها تقتبس ، وآداب سياسة الملك والحزم منها تلتمس ، فكلّ غريبة بها تعرف ، وكلّ عجيبة منها تستطرف ، وهو علم يستمتع بسماعه العالم والجاهل ، ويستعذب موقعه الأحمق والعاقل ويأنس مكانه ، وينزع إليه الخاصّي والعامّي ، ويميل إلىٰ روايته العربي والعجمي ؛ وبعد فإنّه يوصل به إلىٰ كلّ كلام ، ويتزيّن به في كلّ مقام ، ويتجمّل به في كلّ مشهد ، ويحتاج إليه في كلّ محفل. ففضيلة علم الأخبار تتيه علىٰ كلّ علم ، وشرف منزلته صحيحة في كلّ فهم ؛ فلا يصبر علىٰ علمه ويتقن ما فيه من إيراده وإصداره إلّا إنسان قد تجرّد للعلم ، وفهم معناه ، وذاق ثمرته ، واستشعر من عزّه ، ونال من سروه ، وقديمًا قيل : إنّ علم النّسب والأخبار من علوم الملوك وذوي الأخطار ، ولا تسمو إليه إلّا النفوس الشريفة ، ولا تأباه إلّا النفوس الدنية والعقول السخيفة»(١).
وكان الارتباط بين (التراجم) و (التاريخ) وثيقاً وقديماً في آن ، ويرجع إلىٰ عصور الإسلام الأولىٰ ، فعناوين عدد كبير من معاجم التراجم تبدأ بكلمة (تاريخ) مثل : التاريخ الكبير للبُخاري (ت ٢٥٦هـ/٨٧٠م) ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر (ت ٥٧١هـ/١١٧٥م) ، كما أنّ كثيراً من مؤلّفي معاجم التراجم يعدّون مؤلّفاتهم من كتب التاريخ ، فابن خلّكان مثلاً يقول في مقدّمة كتابه وفيات الأعيان : «هذا مختصر في التاريخ»(٢).
__________
(١) معجم الأدباء ١/٣٠.
(٢) انظر : وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان ١/ ١٩.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٦ ] [ ج ١٤٦ ] تراثنا ـ العدد [ 146 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4727_turathona-146%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)