ويأتي هذا البحث ليحاول المساهمة في أداء جزء من هذه المهمّة ، من خلال إبراز الجهود التي قدّمها علماء الإمامية ومؤرّخوهم في حقل التراجم في إطار إسهامات الحضارة العربية والإسلامية في هذا الحقل التاريخي المهمّ ، هذا الإسهام الذي تعرّض إلىٰ ضروب من الإقصاء والتهميش والإنكار الموجّه والمقصود في بعضه ، وغير المقصود في بعض الأحايين.
وإذا كان هذا التغييب المقصود للتراث الإمامي في مختلف مجالات العلم يعكس نزعة استئصالية ليست بريئة عند الخصوم ؛ فإنّه لا يمكن عزو هذا التنكّر ـ في بعض أشكاله ـ إلّا إلىٰ تقاعس الهمم وفتور العزائم لدىٰ الباحثين والكفاءات العلمية ، وإحجام المؤسّسات العلمية الشيعية نفسها عن إيلاء هذا البُعد الأهمّية التي يستحقّها من العناية والاهتمام والكشف عن هذه الثروة العلمية التي جمعها مؤرّخوا الإمامية عبر العصور في حقل التراجم ، والتعريف به ونشره وإحياؤه.
لقد كان لعناية المسلمين البالغة بسيرة الرسول صلىاللهعليهوآله وكتابتها دور في ترسيخ العناية بتدوين حديثه ، وساهم ذلك بطبيعة الحال في خدمة كثير من العلوم التي ظهرت معه لتخدم رسالته ، وكان من هذه العلوم المساعدة علم التاريخ ، فاتّجهوا إلىٰ الغزوات والفتوح وتواريخ الصحابة ، يسجّلون أخبارها في رسائل متفرّقة كانت هي النواة الأولىٰ لكتابة التاريخ الإسلامي المطوّل فيما بعد.
وقد دفع اهتمام المسلمين بالحديث النبوي إلىٰ أن يتّجهوا إلىٰ الكلام في رُواته ورجاله ، «فترجموا لهم تراجم وجيزة لم يكن القصد منها إلّا بيان قيمة المحدّث ومكانته من الإسناد ، وجرّهم ذلك إلىٰ وضع كتب في نقد الرجال المحدّثين»(١) ،
__________
(١) التراجم والسير : ١٨.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٦ ] [ ج ١٤٦ ] تراثنا ـ العدد [ 146 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4727_turathona-146%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)