يأخذون العلم عند بعضهم بعضاً دون أي اعتبار لمذهب المعلّم أو الطالب(١) ، إلىٰ جانب أنّ علماء الإمامية وإن غابت لديهم مصنّفات معجمية موسّعة في حقل التراجم إلّا أنّ تراثهم العلمي يحفل بعناصر تاريخية غنية يمكن التأسيس عليها في تدشين مرحلة جديدة في علم ناشئ عندهم كعلم التراجم ، وهذا ما حصل فعلاً.
سادساً : يمكن القول أنّ علم الرجال والاهتمام برواة الحديث عند الإمامية إبّان القرن الحادي عشر بلغ مرحلة الاكتمال والنضج ، بحيث لم تعد معه الحاجة ماسّة كما كانت في العصور السابقة ، وقد يكون لهذا العامل دور في دفع علماء الإمامية في تنويع مجالات اهتماماتهم العلمية والتوفّر علىٰ زاوية أخرىٰ للنظر إلىٰ التاريخ من بوابة حقل التراجم ، علىٰ أنّ ذلك لم يصرف علماء الإمامية بطبيعة الحال عن إضافات كمّية ونوعية في علم الرجال ، فقد استمرّ الإنتاج العلمي فيه وظلّ يتّسع وينمو باضطراد ولكن بشكلٍ موازٍ لحركة ونمو علم التراجم هذه المرّة.
__________
(١) نشير هنا علىٰ عُجالة إلىٰ ثلاثة نماذج تعكس طبيعة الوضع العلمي السائدة في فترات زمنية مختلفة ، فقد أخذ التلمّذ علىٰ الشيخ أبي عبد الله محمّد بن النعمان العكبري البغدادي المعروف بالشيخ المفيد ـ وهو من كبار علماء الشيعة في القرن الرابع ـ جمع من علماء المذاهب الإسلامية ، حيث كان يحاضر في داره الواقعة في درب الرباح في الكرخ من بغداد وفق المذاهب الإسلامية ، يقول ابن الجوزي عن درسه : كان يحضره العلماء كافّة. (المنتظم ٨/ ١١).
كما كان أخذ الشيخ ابن شهرآشوب المازندراني (ت ٥٨٨هـ) العلم علىٰ أساتذة زمانه من علماء المذاهب الإسلامية المختلفة ، ومن مشايخه : جار الله الزمخشري المعتزلي (ت ٥٣٨هـ) صاحب تفسير الكشّاف ، وأبو عبد الله محمّد بن أحمد النطنزي ، العامّي المذهب. أخيراً : تتلمذ الشيخ عبد الكريم بن محمّد الرافعي القزويني السنّي ، وهو من أعلام القرن السادس الهجري علىٰ شيخه الشيعي الشيخ منتجب الدين بن بابويه صاحب (الفهرست) ، وقد ترجم الرافعي لأستاذه في كتابه (التدوين في تاريخ قزوين) ، والنماذج في ذلك أكثر من أن تحصىٰ.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٦ ] [ ج ١٤٦ ] تراثنا ـ العدد [ 146 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4727_turathona-146%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)