الكرام بأقدام الأقلام ، فكانوا يخفون عن عدوّهم أحوالهم ، ويعمدوا إلىٰ زرع بذور التقية في قلوبهم ، وينهجون نهج الأثر المشهور : «التقية ديني ودين آبائي»(١).
ثمّ يصرّح بأنّ الضرورة القاهرة حملتهم علىٰ ضبط أسماء رواتهم ، وصون تاريخ أخباريّيهم ؛ لأنّ عليها مدار استنباط الأحكام من أحاديث سيّد الأنام وأخبار الأئمّة الكرام ، وتتوقّف معرفتها علىٰ تحقيق ذلك ، وقد احترزوا عن تفصيل أحوالهم ، دفعاً لعادية العدوّ ، واتّخذوا طريقة الإجمال سبيلاً إلىٰ ذلك.
رابعاً : نتيجة للظروف السياسية والاجتماعية الضاغطة ؛ كان لابدّ لعلماء الشيعة ومصنّفيهم أن يعمدوا إلىٰ الاهتمام بعلوم أخرىٰ يجدون أنّها تكتسب أهمّية أكبر عندهم ويقدّرون أنّ الحاجة إليها أشدّ ، فاتّجهوا إلىٰ الفقه والحديث وعلم الكلام واللغة والأدب والتاريخ وحتّىٰ علم الرجال ، كما أسلفت الإشارة ، ولكن علىٰ حذر وخشية ، وكان لكلّ ذلك تأثير في تأخّر نشوء التراجم لديهم كعلمٍ مستقلّ بذاته.
خامساً : لا شكّ أنّ التراث العربي والإسلامي الذي قدّم موسوعات تاريخية وأدبية في حقل التراجم بمختلف أنواعها كان له دور كبير في تحفيز وتشجيع علماء الشيعة ـ بعد أن أمكنتهم الظروف للكتابة بحرّية ـ أن يقدّموا في هذا الحقل تراثاً علميّاً متميّزاً من حيث الكمّ والنوع ، ويعود ذلك إلىٰ ثلاثة عوامل : أنّ كتب التراجم السابقة ضمّت خليطاً من أعلام برعوا في كلّ علم وفنّ بصرف النظر عن انتمائهم المذهبي ، وكان منهم بطبيعة الحال علماء وشعراء ومشاركون في العلوم من الشيعة ، ثمّ إنّ النظام التعليمي والوضع الثقافي كان في أغلب الفترات التاريخية يتّسم بالمرونة والانفتاح بحيث كان العلماء من المذاهب المختلفة
__________
(١) مجالس المؤمنين ١/ ٤٣.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٦ ] [ ج ١٤٦ ] تراثنا ـ العدد [ 146 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4727_turathona-146%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)