والظروف الاجتماعية الصعبة التي واجهوها دور كبير في ترسيخ حالة العزلة المفروضة علىٰ تراثهم وقد ألجأت الأغلبية الساحقة منهم إلىٰ اعتماد (التقية) والحذر الشديد من الكتابة عن أحوالهم وأحوال علمائهم ، وكان لهذا العامل تأثير حاسم وكبير علىٰ محدودية انتشار تراثهم العلمي ، ويذكر الحموي : إنّ الحسن بن محمّد الحمداني (ت ٦٠٨هـ/١٢١١م) كان حريصاً علىٰ العلم ، فجمع من أخبار العلماء ، وصنّف من أخبار الشعراء ، وألّف كتباً كان لا يجسر علىٰ إظهارها خوفاً ممّا طرق أباه مع شدّة احتراز ، وأنّه : «عاش في زمن سوء وخليفة غشوم جائر ، كان إذا تنفّس خاف أن يكون علىٰ نفسه رقيب يؤدّي به إلىٰ العطب ، وهو كان آخر مَن بقي من هذا البيت القديم والركن الدعيم»(١). وكان من نسل سيف الدولة بن حمدان التغلبي.
وأكثر من ذلك ، لقد دفعت هذه الأجواء الطائفية المشحونة إلىٰ التزام أغلب الشيعة جانب الحذر ، وأجبرتهم علىٰ الانكفاء علىٰ أنفسهم ، بل دفع الاحتراز المفرط عند الكثيرين إلىٰ إظهار أنّهم من أهل العامّة من شدّة التقية ، ومثل ذلك كثير في كتب الرجال(٢). كلّ ذلك لتفادي اعتداءات المتربّصين من الحكّام والسلاطين أو من الفئات الشعبية المعادية ، ويشير السيّد نور الله التستري إلىٰ جانب من الواقع المرير بقوله : كان علماء الشيعة : «نظراً لتمادي تحكّم أصحاب الشقاء والشقاق ، واستعلاء أهل التغلّب والنفاق ملتجئين إلىٰ زاوية التقية ، متوارين في ظلالها ، ومستخفين في أقبائها ، ويطلقون علىٰ أنفسهم أحياناً أسماء المذاهب الأخرىٰ من بين شافعي أو حنفي وما إلىٰ ذلك ، لهذا لم يجتازوا وادي الإعلام لأحوال أكابرهم وأعلام طائفتهم
__________
(١) معجم الأدباء ٢/ ١٠١٣.
(٢) مصفّىٰ المقال : ٢١٣.
![تراثنا ـ العدد [ ١٤٦ ] [ ج ١٤٦ ] تراثنا ـ العدد [ 146 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4727_turathona-146%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)