الأول : كون الناسخ شخصا غير حكيم.
الثاني : جهله بالمصالح والمفاسد.
وذلك لأن المصلحة الموجبة بجعل الحكم الأول وانشائه ، إما أن تكون باقية بحالها غير زائلة أو لا ، فعلى الأول يكون رفع الحكم الأول وإنشاء حكم آخر مخالف له ، فعلا جزافيا لا يصدر عن الحكيم.
وعلى الثاني يلزم انكشاف الخلاف المستلزم لجهل الجاعل بالمصالح والمفاسد ، حيث تصور كون الفعل مشتملا على المصلحة دائما فإنشاء الحكم الدائم مع كونه ذا حالتين وهو سبحانه منزه عنه لعلمه بملاك الأفعال.
الجواب : إن النسخ تارة يستعمل في الأوامر الامتحانية التي لا زجر ولا بعث فيها إلا بالنسبة إلى المقدمات حتى يميّز المطيع عن العاصي ، والمضحي بنفسه وولده وماله عن غيره ، وأخرى في الأوامر الجدية الحقيقية ، أما الأولى فاستعمال النسخ فيها من باب المشاكلة ، إذ لا حكم فيها بعد الاتيان بالمقدمات والمفروض أنه أتى بها وهذا نظير قصة إبراهيم بالنسبة إلى ذبح إسماعيل بدليل أنه بعد ما جاء بالمقدمات ، خوطب بقوله : (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) (١).
وأما الثانية ؛ فنختار الشق الثاني أي تغيير الموضوع من حيث الملاك ، والمصلحة إذ من الممكن أن يكون موضوعا ذا مصلحة في زمان ، وفي وقت دون وقت وهذا مما لا شك فيه وهذا لا يستلزم جهل الشارع بالمصالح والمفاسد لأن للتشريع مرتبتان : مرتبة الثبوت ومرتبة الاثبات.
__________________
(١) الصافات آية ١٠٥.
