وما بدا لله في شيء إلا كان في علمه الأزلي فالنزاع في هذه بيننا وبين أهل السنة لفظي لأن ما ينكرونه من البداء الذي لا يجوز على الله عزوجل تبرأت الشيعة منه ، وممن يقول به براءتها من الشرك بالله ومن المشركين وما يقوله الشيعة من البداء بالمعنى الذي ذكرناه يقول به عامة المسلمين ، وهو مذهب عمر بن الخطاب وغيره كما سمعت وبه جاء التنزيل (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (١) ، (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (٢) أي كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدّد أحوالا من اهلاك وانجاء وحرمان واعطاء ، وغير ذلك كما روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد قيل له : ما ذلك الشأن فقال : من شأنه سبحانه وتعالى أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ، ويضع آخرين.
هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسميه بداء ، وغير الشيعة يقولون به ، لكنهم لا يسمونه بداء ، فالنزاع في الحقيقة إنما هو في تسميته بهذا الاسم وعدم تسميته به ، ولو عرف غير الشيعة أن الشيعة إنما تطلق عليه هذا الاسم مجازا لا حقيقة لتبين ـ حينئذ ـ لهم أنه لا نزاع بيننا وبينهم حتى في اللفظ لأن باب المجاز واسع عند العرب إلى الغاية ، ومع هذا كله فإن أصرّ غيرنا على هذا النزاع اللفظي وأبى التجوز بإطلاق البداء بما يشاء (وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً) (٣).
وقال تعالى : (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي
__________________
(١) الرعد آية ٣٩.
(٢) الرحمن آية ٢٩.
(٣) البقرة آية ٢٨٢.
