فنقول لهم : إذا كان الأمر كذلك وقصدتم سدّ الذريعة فما الحاصل لكم على تكفير الاُمّة عالمهم وجاهلهم خاصّهم وعامّهم ؟ !
وما الحاصل لكم على منع التوسّل مطلقاً ؟ بل كان ينبغي لكم أن تمنعوا العامّة من الألفاظ الموهمة ، وتأمروهم بسلوك الأدب في التوسّل ، مع أنّ تلك الألفاظ الموهمة يمكن حملها على الإسناد المجازي عقليّاً كما يحمل على ذلك قول القائل : هذا الطعام أشبعني ، وهذا الماء أرواني ، وهذا الدواء أو الطبيب نفعني ، فإنّ ذلك كلّه عند أهل السنّة محمول على المجاز العقلي ، فإنّ الطعام لا يشبع والمشبع هو اللَّه تعالى والطعام سبب عادي لا تأثير له وكذا ما بعده ، فالمسلم الموحّد متى صدر منه إسناد الشيء لغير من هو أهله يجب حمله على المجاز العقلي ، و إسلامه وتوحيده قرينة على ذلك كما نصّ على ذلك علماء المعاني في كتبهم وأجمعوا عليه .
وأمّا منع التوسّل مطلقاً ، فلا وجه له مع ثبوته في الأحاديث الصحيحة ، ومع صدوره من النبيّ صلىاللهعليهوآله وأصحابه وسلف الاُمّة وخلفها ، وهؤلاء المنكرون للتوسّل المانعون منه ، منهم من يجعله حراماً ، ومنهم من يجعله كفراً وشركاً ، لأنّه يؤدّي إلى اجتماع معظم الاُ مّة على الحرام أو الإشراك ، وكلّ ذلك باطل ؛ لأنّ من تتبّع كلام الصحابة والعلماء من السلف والخلف يجد التوسّل صادراً منهم ، بل ومن كلّ مؤمن في أوقات كثيرة . واجتماع أكثرهم على الحرام أو الإشراك لا يجوز ، لقوله صلىاللهعليهوآله في الحديث الصحيح : « لا تجتمع اُمّتي على ضلالة » (١) ، بل قال بعضهم : إنّه حديث
__________________
(١) مسند أحمد ٥ : ١٤٥ ، سنن أبي داوُد ٤ : ٩٨ / ٤٢٥٣ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٦ / ٢١٦٧ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٠٣ / ٣٩٥ .
![البراهين الجليّة [ ج ٢ ] البراهين الجليّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4485_al-barahin-al%20jeliyah%2002%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
