إلى الإشراك ، سبحانك هذا بهتان عظيم ! فالتوسّل والتشفّع والاستغاثة كلّها بمعنى واحد ، وليس لها في قلوب المؤمنين معنى إلّا التبرّك بذكر أحباء اللَّه لما ثبت أنّ اللَّه يرحم العباد بسببهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً ، فالمؤثّر والموجد حقيقةً هو اللَّه تعالى وهؤلاء سبب عادي في ذلك لا تأثير لهم ، وذلك مثل السبب العادي فأنّه لا تأثير له ، وحياة الأنبياء في قبورهم ثابتة بأدلة كثيرة استدلّ بها أهل السنّة (١) ، وكذا حياة الشهداء والأولياء (٢) ، وليس هذا محل بسط الكلام عليها .
وشبهة هؤلاء المانعين للتوسّل أنّهم رأوا بعض العوام يتوسّعون في الكلام و يأتون بألفاظ توهم أنّهم يعتقدون التأثير لغير اللَّه تعالى ، و يطلبون من الصالحين أحياءً وأمواتاً أشياء جرت العادة بأنها لا تطلب إلّا من اللَّه تعالى ، و يقولون للولّي : افعل كذا وكذا ، وربمّا يعتقدون الولاية في أشخاص لم يتّصفوا بها بل اتّصفوا بالتخليط وعدم الاستقامة ، و ينسبون لهم الكرامات وخوارق عادات وأحوالاً ومقامات ليسوا بأهل لها ولم يوجد فيهم شيء منها ..
فإن أراد هؤلاء المانعون للتوسّل أن يمنعوا العامة من تلك التوسّعات دفعاً للإيهام وسدّاً للذريعة وإن كانوا يعلمون أنّ العامّة لا يعتقدون تأثيراً ولا نفعاً ولا ضرّاً لغير اللَّه تعالى ولا يقصدون بالتوسّل إلّا التبرّك ، ولو أسندوا للأولياء شيئاً لا يعتقدون فيهم تأثيراً ..
__________________
(١) مسند أبي يعلى ٣ : ٢١٦ / ٣٤١٢ ، الفوائد لابن مندة : ٧٤ / ٤٩ ، والبيهقي في كتابه الذي جمع في حياة الأنبياء في قبورهم : ٧٤ / ٣ ، تاريخ دمشق ١٣ : ٣٢٦ / ١٤٠٤ ، الكامل لابن عدي ٣ : ١٧٣ / ٤٦٠ ، تلخيص الحبير ٥ : ١٩٨ ، فتح الباري ٦ : ٣٤٥ ، مجمع الزوائد ٨ : ٢١١ ، سبل الهدى والرشاد ١٢ : ٣٥٧ .
(٢) فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ٣ : ١٨٤ / ٣٠٨٩ .
![البراهين الجليّة [ ج ٢ ] البراهين الجليّة](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4485_al-barahin-al%20jeliyah%2002%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
