إتيان الكل فأتوا بالبعض الذي استطعتم فهذا الحديث يدلّ على وجوب الإتيان بالمقدور من الأجزاء والشرائط الثابتة للمأمور به ونوقش فيها باحتمال كون «من» بمعنى الباء أو بيانيا و «ما» مصدرية زمانية فيكون مفادها تخصيص أوامر النبي صلىاللهعليهوآله بزمان الاستطاعة كأدلة نفي الحرج والمعنى إذا أمرتكم بشيء فاتوا به ما دمتم مستطيعين فلا ارتباط للحديث بقاعدة الميسور وأجاب الشيخ الأعظم قدسسره عن هذه المناقشة بأنّ ذلك أي كون «من» بمعنى الباء مطلقا وبيانية في خصوصية المقام مخالف للظاهر بعيد كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام انتهى. (١)
ولعلّ وجه كون «من» بمعنى الباء أو بيانيا و «ما» مصدرية زمانية بعيدا وخلاف الظاهر أنّ الضمير في قوله منه من المبهمات فكيف يصح أن يجعل بيانا لمبهم آخر وهو الشيء مع أنّ الضمير في لفظة منه راجع إليه ولا يقاس المقام بمثل قولك خاتم من فضة فإنّ مدخول «من» فيه يصلح لرفع الابهام عن الخاتم بخلاف المقام كما لا يخفى هذا مضافا إلى أنّ كلمة «ما» ظاهرة في الموصولة أو الموصوفة لا وقتية وزمانية وجعلها ظرفا بعيد جدا لكثرة استعمالها في الموصولة أو الموصوفة فإذا عرفت أنّ البيانية بعيدة وخلاف الظاهر فالمراد هي التبعيضية وكلمة «ما» موصولة لا مصدرية زمانية فيصير المعنى حينئذ إذا أمرتكم بمجموع مركب من أجزاء وشرائط ولم تقدروا على اتيان الكل فأتوا بالبعض الذي استطعتم ويكون مفاده وجوب الاتيان بما هو المقدور من أجزاء المأمور به وشرائطه.
أورد عليه بأنّ لازم ذلك هو تقييد الشيء بناء على ارادة التبعيضية من كلمة «من» بما كان له أجزاء حتى يصح الأمر باتيان ما استطيع منه هذا مضافا إلى تقييد الشيء أيضا بما إذا تعذر اتيان جميعه ومضافا إلى أنّ لازمه هو ارتكاب التخصيص فيه باخراج ما لا يجري فيه هذه القاعدة اتفاقا كما في كثير من المواضع كالصوم.
أجاب عنه الشيخ الأعظم قدسسره بقوله لا يخفى أنّ التقييدين الأولين يستفادان من قوله فأتوا
__________________
(١) فرائد الاصول / ص ٢٩٤.
![عمدة الأصول [ ج ٦ ] عمدة الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4477_umdat-alusul-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
