وإنشاء إرادته بعثا نحو مطلوبه الحقيقي ، وتحريكا إلى مراده الواقعي لا ينافي (١) اتصافه بالطلب الإنشائي أيضا.
والوجود الإنشائي لكل شيء ليس إلّا قصد حصول مفهومه بلفظه ، كان هناك طلب حقيقي أو لم يكن ، بل كان إنشاؤه بسبب آخر (٢).
ولعل (٣) منشأ الخلط والاشتباه تعارف التعبير عن مفاد الصيغة بالطلب المطلق ، فتوهم منه (٤) : أن مفاد الصيغة يكون طلبا حقيقيا يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع ،
______________________________________________________
في بعض الأحيان ، وافتراق كل واحد منهما عن الآخر ؛ بأن يكون الفعل المأمور به متصفا لا محالة بالمطلوبية الإنشائية ؛ إذ الطلب الإنشائي هو المطلوب ، والمقصود حصول مفهومه بالصيغة ، وقد لا يكون الفعل الذي تعلق به الإنشاء متصفا بالمطلوبية الحقيقية ، فلا منافاة بين اتصافه بالمطلوبية الحقيقية والإنشائية معا إذا كان هناك طلب باطني ، وكان الإنشاء بداعي البعث.
والمتحصل من جميع ما ذكرناه هو : عدم حصر اتصاف الفعل بالمطلوبية الحقيقية حتى يكون هذا دليلا على كون مفاد الهيئة مصداق الطلب ، فلا يكون قابلا للتقييد.
(١) قوله : «لا ينافي» خبر لقوله : «واتصاف الفعل بالمطلوبية الواقعية». ومعنى العبارة : أن مطلوبية فعل حقيقة لا تنافي مطلوبيته إنشاء أيضا ؛ لما عرفت من : أن النسبة بينهما عموم من وجه فتجتمعان.
فتلخص مما ذكرنا : أن مدلول الهيئة هو الطلب الإنشائي لا الطلب الحقيقي الذي في نفس المولى ، والطلب الإنشائي كلي ، وكل كلي قابل للتقييد ، فالطلب الإنشائي قابل للتقييد ، ولازم ذلك : صحة التمسك بإطلاق الهيئة إذا لم تقيد بقيد.
(٢) أي : بسبب آخر غير الطلب الحقيقي من سائر دواعي الإنشاء كالتهديد أو الامتحان في الأوامر الامتحانية.
(٣) غرض المصنف من هذا الكلام هو : التنبيه على منشأ تخيّل كون مفاد الهيئة الطلب الحقيقي ، وحاصل منشأ التوهم ـ على ما في «منتهى الدراية ، ج ٢ ، ص ٢٢٤» ـ هو : تعارف التعبير عن مفاد الهيئة بالطلب المطلق ، من دون تقييده بالحقيقي أو الإنشائي ـ ومن باب قاعدة أن الشيء إذا ذكر مطلقا ينصرف الذهن إلى فرده الأكمل ـ هذا التعبير صار موجبا لتوهم : كون مفاد الصيغة طلبا حقيقيا لكونه فرده الأكمل يصدق عليه الطلب بالحمل الشائع.
(٤) أي : فتوهم من الطلب المطلق : «أن مفاد الصيغة يكون طلبا حقيقيا ...» إلخ.
![دروس في الكفاية [ ج ٢ ] دروس في الكفاية](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4457_doros-fi-alkifaya-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
