«لا ضرر» على المصاديق الضررية في عرفنا المعاصر ، أن نقيم دليلاً تاريخياً يثبت أن هذا الارتكاز كان ثابتاً في عصر صدور الكلام أيضاً ، وهو ما يتعسّر غالباً أو يتعذّر. وإنّما يكفي أن يكون لهذا الارتكاز وجود في زماننا بنحو يكون للقاعدة ظهور في الشمول له. حينئذ يثبت هذا الظهور من أوّل الأمر أيضاً ببركة أصالة الثبات وعدم النقل. وهذه هي سيرة علمائنا الفقهية على مر التاريخ ، فإنهم كانوا يستدلون بقاعدة «لا ضرر» حسب ارتكازاتهم التي يعيشونها في مقام استنباط الأحكام من هذه القاعدة.
على أساس هاتين النكتتين تترتّب آثار مهمّة على هذه القاعدة وأمثالها في مقام الاستنباط ، وتنحلّ عقدة كان يعيشها الفقه السنّي أولاً ثم عاشها الفقه الشيعي ثانياً ، وحاصلها : أن الفقه السنّي انقطعت عنه الروايات والأحاديث بانتهاء عهد النبوّة ، حيث إن ذلك الاتجاه لم يقبل امتداد عصر النص من خلال أئمّة أهل البيت (عليهمالسلام). وبمرور الزمان استحدثت وقائع كثيرة لم تكن مورداً للنصوص. فصاروا بصدد تأسيس جملة من المباني لأجل تغطية حاجة الفقيه في هذه المسائل كالمصالح المرسلة ، حيث صار الفقيه يشخّص بحسب ارتكازاته وذوقه المصالح والمفاسد ويحكم على أساسها. إلا أن أتباع مدرسة أهل البيت (عليهمالسلام) لما كانوا يعتقدون بأن النص الوارد عن الإمام (عليهالسلام) كالنص الوارد عن النبي (صلىاللهعليهوآله) لم يقعوا في تلك المشكلة بعد العهد النبوي ، وإنما كانوا يراجعون أئمة أهل البيت «عليهمالسلام» في هذه الوقائع والمسائل المستجدّة لمعرفة أحكامها.
بيد أن هذه المشكلة بدأت في الظهور بالنحو الذي واجهت الفقه السنّي ، بعد أن انقطعت صلة أئمّة أهل البيت «عليهمالسلام» بشيعتهم ، ولما لم يكن بالإمكان
