ابراهيم يطلبون الطعام ، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة ، فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه ، فلم يعطهم شيئا ، فقالوا : لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا جئنا بميرة ، فملأوا الغرائر رملا ، ثم أتوا إلى إبراهيم ، فأعلموه ، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق ، فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ، ففتحت الغرائر ، فإذا دقيق حوّارى (١) ، فأمرت الخبّازين فخبزوا وأطعموا الناس ، فاستيقظ إبراهيم عليهالسلام فقال : من أين هذا الطعام؟ قالت : من عند خليلك المصري ، فقال : بل من عند الله ، خليلي الله ، فيومئذ اتخذه الله خليلا (٢).
قال ابن عباس : الخليل : الصفي (٣).
والمعنى : اصطفى إبراهيم واختصه بأسنى المواهب ، وأقوم المذاهب ، وأناله من الكرامة فوق ما رامه ، وجعله جرثومة الرسالة ، ودوحة الإمامة.
واشتقاق الخليل من الخلّة ، وهي : الحاجة ، فإبراهيم خليل الله ، أي : فقيره الذي ينزل به فقره وفاقته لا بغيره ، أو من الخلّة ـ بضم الخاء ـ وهي : الصداقة ، والخليل : المحبّ الذي ليس في محبته خلل ، فسمي إبراهيم خليل الله ؛ لأن الله أحبه محبة تامة ، وأحبّ الله محبة تامة لا خلل فيها.
(وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ) أي : بكل شيء من خلقه ، (مُحِيطاً) بعلمه ، ومضمون ذلك ترغيب الصالح ، وترهيب الطالح.
__________________
(١) الحوّارى : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه (اللسان ، مادة : حور).
(٢) ذكره الطبري (٥ / ٢٩٨) ، والثعلبي (٣ / ٣٩٢) ، والواحدي في أسباب النزول (ص : ١٨٥).
(٣) ذكره الثعلبي (٣ / ٣٩٢) ، وابن الجوزي في زاد المسير (٢ / ٢١١).
![رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4304_rumuz-alkunuz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
