وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه» (١).
فالمعنى على هذا : «فمن نفسك» : بسبب خطيئتك ، وأنا قضيتها عليك.
الثاني : أن التقدير : أفمن نفسك؟ وقد يحذف حرف الاستفهام كثيرا ، ومثله : (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [الأنبياء : ٨٧] ، (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [الأنبياء : ٣٤] ، (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ) [الشعراء : ٢٢] ، تقديره : أفظنّ؟ أفهم؟ أو تلك نعمة؟ فعلى هذا يكون الاستفهام بمعنى الإنكار عليهم ، حيث نسبوا الفعل إلى غير فاعله ، فإنه لا يقع في الكون أمر من رخص وغلاء ، ونعمة وبلاء ، إلا بقضاء الله وقدره.
الثالث : أن هذا من تمام ما حكاه الله عنهم منكرا عليهم ، التقدير : (فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) ، يقولون : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) ، والمضمر المقدّر كثير في القرآن وكلام العرب ، ومنه قوله تعالى : (أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ) [البقرة : ١٨٤] ، أي : فأفطر فعدّة ، وقوله : (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ) [البقرة : ١٩٦] أي : فحلق ففدية ، (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) [النور : ٢٠] ، أي : لولا فضل الله عليكم لعذّبكم.
وقال النمر بن تولب (٢) :
|
فإنّ المنيّة من يخشها |
|
فسوف تصادفه أينما (٣) |
__________________
(١) أخرجه مسلم (٤ / ١٩٩٤ ح ٢٥٧٧) من حديث أبي ذر الطويل.
(٢) النمر بن تولب بن زهير العكلي ، كان شاعرا مشهورا فصيحا ، وكان أبو عمرو بن العلاء يسميه الكيّس ؛ لجودة شعره ، وكثرة أمثاله. وهو جاهلي أدرك الإسلام فأسلم (الإصابة ٦ / ٤٧٠).
(٣) البيت للنمر بن تولب. انظر البيت في : مشكل القرآن (ص : ٢١٧) ، والطبري (١ / ١٩٦) ، والقرطبي (١ / ٢٦٢) ، وزاد المسير (٢ / ١٤١).
![رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ١ ] رموز الكنوز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4304_rumuz-alkunuz-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
