الأدلّة تبعيّة الأحكام للأسماء ، كما اعترف به في المنتهى في استحالة الأعيان النجسة ، إلّا أنّها شاهدة على إمكان اعتبار موضوعيّة الذات المشتركة بين واجد الوصف العنوانيّ وفاقده ، كما ذكرنا في نجاسة الكلب بالموت ، حيث إنّ أهل العرف لا يفهمون نجاسة اخرى حاصلة بالموت ، ويفهمون ارتفاع طهارة الإنسان إلى غير ذلك ممّا يفهمون الموضوع فيه مشتركا بين الواجد للوصف العنوانيّ والفاقد.
ثمّ إنّ بعض المتأخّرين (٤) فرّق بين استحالة نجس العين والمتنجّس ، فحكم بطهارة الأوّل لزوال الموضوع دون الثاني ؛ لأنّ موضوع النجاسة فيه ليس عنوان المستحيل أعني الخشب مثلا ، وإنّما هو الجسم ولم يزل بالاستحالة. وهو حسن في بادئ النظر ، إلّا أنّ دقيق النظر يقتضي خلافه ؛ إذ لم يعلم أنّ النجاسة في المتنجّسات محمولة على الصورة الجنسيّة وهي الجسم ، وإن اشتهر في الفتاوى ومعاقد الإجماعات : أنّ كلّ جسم لاقى نجسا مع رطوبة أحدهما فهو نجس ، إلّا أنّه لا يخفى على المتأمّل أنّ التعبير بالجسم لبيان (*) عموم الحكم لجميع الأجسام الملاقية من حيث سببيّة الملاقاة للتنجّس ، لا لبيان إناطة الحكم بالجسميّة. وبتقرير آخر : الحكم ثابت لأشخاص الجسم ، فلا ينافي ثبوته لكلّ واحد منها من حيث نوعه أو صنفه المتقوّم به عند الملاقاة.
فقولهم : " كلّ جسم لاقى نجسا فهو نجس" لبيان حدوث النجاسة في الجسم بسبب الملاقاة من غير تعرّض للمحلّ الذي يتقوّم به ، كما إذا قال القائل : " إنّ كلّ جسم له خاصيّة وتأثير" مع كون الخواصّ والتأثيرات من عوارض الأنواع.
وإن أبيت إلّا عن ظهور معقد الإجماع في تقوّم النجاسة بالجسم ، فنقول : لا شكّ (**) في أنّ مستند هذا العموم هي الأدلّة الخاصّة الواردة في الأشخاص الخاصّة مثل الثوب والبدن والماء وغير ذلك ، فاستنباط القضيّة الكليّة المذكورة منها ليس إلّا من حيث عنوان حدوث النجاسة ، لا ما يتقوّم به ، وإلّا فاللازم إناطة النجاسة في كلّ مورد بالعنوان المذكور في دليله.
__________________
(*) في بعض النسخ : بدل «لبيان» ، لأداء.
(**) في بعض النسخ : بدل «لا شكّ» ، لا إشكال.
![فرائد الأصول [ ج ٥ ] فرائد الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4230_faraed-alusul-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
